واحدة من أهم الخصائص التي يمتاز بها الدين الإسلامي والتي تعد من أهم الخصوصيات هي اهتمامه وتركيزه على المعرفة، وضرورة التفاعل معها، هي المعرفة، قال تبارك وتعالى: (إقرأ باسم ربك الذي خلق)، وقوله تعالى: (نون والقلم وما يسطرون)، وقوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات)، وغيرها من الآيات التي رفعت مرتبة المعرفة الهادفة، المقرونة باسم الله تبارك وتعالى.
ونكرر دوماً أن الله تبارك وتعالى ميّز الإنسان عن سائر مخلوقاته، لأن القادر على تحقيق الذات والتكامل المعرفي، قال تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) فهو يستطيع تسخير الأدوات التي يملكها ليحقق المعرفة التي أرادها سبحانه وتعالى، فالدين الإسلامي والقرآن ليس لطبقة معينة، أو قومية أو عرق معين، بل هو دين عالمي قادر على استيعاب الجميع، يحمل ثقافة شمولية ذات إمكانات عالية وكبيرة، وهي ثقافة أصيلة تمتاز بقدرتها على التفاعل مع العصر واستيعاب المعاصر وهذه خصوصية تفوق الثقافات الأخرى وترتقي عليها فهي تمتاز ببعدها الإنساني الروحي والعقلي وهي اقدر من العولمة الثقافية بمفهومها المعاصر، لأنها ثقافة عالمية وغير مرتبطة بأمة معينة، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم).
بالتالي، إن أهمية الخطاب الثقافي، تنطلق من مبدأ أن الثقافة قضية مهمة لأي مجتمع بعيداً عن نوعية وطبيعة الأيديولوجية التي تحملها تلك الثقافة، فالأمم جميعاً اليوم أمام تحديات كبيرة، في مجالات عديدة، وأهمها الجانب الثقافي، خاصة مع مسألة الغزو الصناعي الذي عشّش في قلب الأمم جميعاً، ونستطيع مجابهة ذلك، عندما نفهم تراثنا فهماً حضارياً نستطيع من خلاله مخاطبة العالم المعاصر وأيضا المفاهيم والقيم الإسلامية، وقدرتها على استيعاب الثقافات الأخرى، لأن عدم الفهم واتباع النهج غير الصحيح، أدى إلى تشوش المشروع الثقافي لدى كثير من الناس، بالتالي، نحتاج إلى قراءة جديدة بعيدة عن الاتكاء والاتكال على الآخر وبعيداً عن التعاطي مع الثقافة من خلال قراءة مغلوطة ودراسة ناقصة للنصوص الشرعية، ولابد من التمسك بالثوابت الدينية والبحث عن الاستقلال الثقافي في عملية خلق جيل جديد يتسلح بالثقافة الإسلامية، والتمسك بالهوية، لأن التعويم تحت ظلال المصطلحات والشعارات البراقة والهادفة إلى خديعتنا ومسخ هويتنا يجب محاربتها من خلال إطلاق عملية التثقيف عسى أن نصلح ما أفسده الدهر، أو نحاول على أقل تقدير.
من هذه المقدمة الطويلة التي ارتأيت كتابتها ليس ترفاً بقدر ما هو هدف أساس أريد التأكيد عليه، أن من يستلح بالثقافة المعرفية خاصة من الناحية الدينية ربطاً مع القرآن الكريم الذي هو منهج كل مسلم هو الطريق الصحيح، لا ثقافات القصص والروايات والخرافات في أحيانٍ كثيرة، فمن كان منهجه القرآن الكريم، تأكد له أن كل الأمور الأخرى التي لم تُقرن بالنص القرآني أو تتبع السند الصحيح، يجب الوقوف عندما والبحث عن أجوبة لكل الأخطاء فإن امتلكنا الإجابات بحسب النص فنحن على الطريق القويم، وإن حصل العكس، سنبقى نعيش في حالة ضياع، ولا أستثني أحداً من أمتنا العربية والإسلامية، لأن الجميع معني بذلك.
واستكمالاً للسلسة التي بدأناها في تفسير سورة طه، ذكرنا الخطاب الإلهي لنبي الإسلام موسى عليه السلام، والمشهد الذي عاشه من تحول العصا إلى (حيّةٍ تسعى)، يستمر الحوار الإلهي مع موسى، ويقول له : (واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء) أي أن يضع يده تحت إبطه، فعبّر القرآن بأن شبه اليد بجناح الطائر، (تخرج بيضاء) أي في ضوء الشمس، (لنريك من آياتنا الكبرى)، لقد كان الله تبارك وتعالى يهيّئ موسى لتحمل الرسالة وتحمل التكليف وأنه ليس تكليفاً عادياً، خاصة وأن تربية موسى وما رآه حول ادعاء فرعون الألوهية ومن تصور أنه هو الخالق، لكن الآن تمت دعوة موسى، (اذهب إلى فرعون إنه طغى)، أي أن طغيان فرعون يليق به أن يوَاجَه بهذه المعجزة التي تبهر وتدهش وتخيف بنفس الوقت، فلعله أن يخاف، ولعله أن يرجع عن ادّعائه الألوهية، فيرسل له موسى ومعه هذه المعجزات أو هذه الآيات الكبرى، ومما لا شك فيه أن كلمة آية تعني الجملة المنطوقة، والآية أيضاً، المعجزة التي يُزوَّد بها ويُجهَّز بها الأنبياء، دليلاً على أنهم صادقون فيما يدعون إليه، ولذلك جاء في القرآن أنه أرسل موسى في تسع آياتٍ بيّناتٍ إلى فرعون وقومه، ومنها، الطوفان والجراد والضفادع والدم والعصا واليد، آياتٍ مفصّلات، بيّنات، هذا التزويد بالمعجزات، تأييدٌ للنبي في صدقه، ومحاولة لإقناع المدعوين بأن ما يدعون إليه هو الصدق، (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
والآية أيضاً، هي الرسالة نفسها، ولذلك عندما نقرأ قول الله تعالى: (ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيءٍ قدير)، الآية هنا (ما ننسخ من آية)، بعض المفسرين ظنوا أن الآية هي الجملة من القرآن، وجاء في ذلك أمثال كثيرة، منها كما في قوله تعالى: (وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم إنه عزيزٌ حكيم)، (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)، (يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال).
بالتالي، إن الثقافة القرآنية تبين للقارئ في تفسير القرآن جمالية المعاني والتوصيفات والبلاغة التي لا نجدها مجتمعة في مكان سوى كتاب الله العزيز، لذلك أقول دائماً من يخلص النية ويتأمل ويتدبر يلامس وجدانه المعنى البياني والبلاغي وحتى اللغوي الجميل.
فالإنسان المتأمل في كل سور القرآن الكريم، وفي سورة طه، بصورة عامة، يجد فيها أمور هامة، بعيداً عن التحدث من نواحي تفسيرية بل بحسب قراءاتي المتواضعة، فعلى سبيل المثال وكما قال تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى)، لنتوقف قليلاً عند كلمة الطغيان، فلا يعتقد أحد أن الطغيان مرتبط فقط بالناحية السياسية، ومرتبط بزعيم أو قائد أو ملك، بل يكون الطغيان بأوجه عديدة كالتكبر والغرور والتعالي على الآخرين، كل تلك الأوجه تعني مجاوزة الحد سواء في الظلم أو التعالي أو ما شابه ذلك، والآيات الكريمة المباركة التي تتكلم عن موسى عليه السلام وبني إسرائيل، هؤلاء القوم أذوا كل الأنبياء والرسل رغم ادعائهم التدين، لكن من قرأ التاريخ والقرآن الكريم يجد كثير من الناس بهم طبائع كما نعاصرها اليوم في الكثير من أبناء جلدتنا من المسلمين، من غرور وتكبر وتجد أي ناصح لهم أو معلم لهم أو يدعوهم إلى التوحيد، نجد مهاجمتهم صريحة ومباشرة من خلال التشنيع عليه، وهذا ما حدث مع أول من بشر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك أذوا موسى عليه السلام وهارون ويحيى وعيسى عليهم السلام.
المعجزات التي خص بها الله تبارك وتعالى، موسى عليه السلام، لأن هناك قوم يريدون الدين مع الخرافة والدجل والافتراء، والديكتاتورية والمعبد، يريدون غسل أدمغة الناس من خلال الادعاءات، فحال الأمة اليوم كحال بني إسرائيل، فجزء كبير اليوم لديه “عبادة هوى”، كما في قوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)، بالتالي هذا يبعث بطريقة أو أخرى إلى الديكتاتورية والغرور والزهو بالنفس، لا يقبل أي رأي ولا حتى الرأي الآخر، فكل الأنبياء كانت رسالتها التوحيد، لكن الموحدون اليوم أين هم؟
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








