في باكورة صباح يوم السبت الذي وافق الحادي والثلاثين من يوليو ٢٠٢١م استئذنا ولاية بهلا ونخيلها تزدان بثمار الخلاص والخنيزي والهلالي والفرض والخصاب، وسائر الأصناف التي يصعب على النفس فراقها أو السفر عنها، لولا شدة الشوق إلى خريف ظفار الذي حال بيننا وبينه فيروس كورونا لموسمين متتاليين..
انطلقت بنا مركبات الكفار كما يحلوا لنا نعتهم رغم عجزنا عن صناعة مثلها.. وهي تقطع الفيافي والقفار عبر طريق طويل يمتد لقرابة ألف كيلو متر، تتخلله الكثير من العقبات والمخاطر، نتيجة سلوكيات بعض مستخدمي الطريق وتهورهم، وزحام كثيف على محطات الوقود بسبب عدم الاستعداد وضعف الجاهزية من القائمين عليها، وكثبان من الرمال المتحركة، وارتفاع كبير في درجة الحرارة، وتردي في الخدمات، وطوابير على دورات المياه الشحيحة، وعدم تنظيم العلاقة بين المستأجرين وملاك العقارات، ونضوب الوقود من المحطات داخل المحافظة ..
وصلنا مركز شرطة حريط بعد اجتياز زحامه الشديد، وهناك ترددت في ذاكرتي فكرة أخذ رسوم على كل سيارة قادمة ولو ريال واحد للمواطن، وخمسة ريالات لغير المواطنين مع استثناء أهالي محافظة ظفار، على أن تذهب تلكم الرسوم في توفير الخدمات الضرورية التي يحتاجها السائح، وتطوير البنية السياحية وهذه الفكرة تقدح في ذاكرتي عند كل رحلة أقوم بها إلى هذه المحافظة الجميلة ، وتصدمني ضعف مستوى الخدمات التي بسببها تسير السياحة في بلادنا ألى الوراء رغم توافر المقومات الطبيعية والتاريخية، في السهل والجبل والبحر والوديان والكهوف..
وبمجرد وصولك إلى بوابة مركز شرطة حريط، وأحياناً قبلها تكون قد تلحفت برداء الضباب واغتسلت بمياه الرذاذ المتساقطة بهدوء وروية تارة، والمنهمرة بغزارة تارة أخرى، وتكاد تنعدم الرؤية أمامك أحياناً أُخر..
أمضينا سبعة أيام في ضيافة ذلك الجمال الرباني، نخرج من مكان سكنانا صباحاً ونعود إليه قبيل سريان الحظر الليلي، نرتقي قمم جبال ظفار المتعممة بالضباب، ونفترش الهضاب الخضراء، ونتسامر مع هدير مياه البحر التي يحلو لها التلاطم والقفز والمداعبة في موسم الخريف، ويلهوا الأطفال في براءة بعيداً عن العاب البلايستيشن والهواتف النقالة، ونرتوي من شراب النارجيل اللذيذ رغم ما شهده من شحٍ في هذه الآونة ، ونتلذذ بفاكهة الموز والباباي التي توجد بكثرة في صلالة..
في هذه الرحلة نأينا بعيداً عن مواطن الزحام حيث العيون والشلالات، واتخذنا السهول المنبسطة محطات للجلوس والاستمتاع بالأجواء الخريفية الرائعة باستثناء زيارة خاطفة لعين حمران وعين كور ذات الشلال الهادر، وإطلالة من بعيد على شلال دربات الأكثر ارتياداً وإزدحاماً..
لتنتهي الأيام السبع سرعاً لكنها حبلى بالمشاهدات الإيجابية والسلبية منها، ومن أهم المشاهد الإيجابية تلكم الصور الجمالية التي تمتاز بها محافظة ظفار وإقبال العمانيين على السياحة فيها بأعداد كثيفة، وربما تأثير جائحة كورونا وجهت البوصلة السياحية إلى الداخل بسبب انغلاق الخارج، وعجبت أشد العجب عن غياب جهاز الاستثمار العماني عن الاستثمار السياحي في هذه المحافظة، وذهابه إلى خارج السلطنة بالرغم من كل المخاوف والعقبات..
أما أهم المشاهدات السلبية فهي خروج الشباب بزي الشورت القصير غير المحتشم ، وتفاخرهم بهذه الموضة المبتذلة البعيدة عن عادات وتقاليد المجتمع العماني، وهنا أدعو إلى جعل اللبس الساتر شرطاً أساسياً في التجول العام في مختلف أنحاء السلطنة وللجنسين مواطنين وأجانب..
وهكذا انتهت زيارتنا لمحافظة ظفار.. وعدنا أدراجنا عبر الطريق الساحلي الجميل، مروراً بطاقة ومرباط ومقشن وحاسك ثم ولاية هيما، فاستراحة قصيرة على ضفاف فلج (الخطم) الذي يسقي عدداً من من حارات البلاد والفيقين ومعمد بولاية منح، حيث اعتدنا عند عودتنا من محافظة ظفار معانقة مياهه المعتدلة، استعداداً للعودة ثانية لولاية بهلا التي استقبلتنا بكل بشر وترحاب، تاركين تلكم الأجواء الخريفية لأهلها الكرام والمقيمين فيها، ولزوارها القادمين إليها للاستمتاع بالفترة المتبقية من موسم الخريف الاستثنائي..
وتبقى صلالة رغم مشقة الوصول إليها براً، ورغم ضعف مستوى الخدمات فيها وعلى طول الطريق المؤدي إليها.. هي قِبلة السواح المتاحة لذوي الدخولات المتوسطة وما دونها، ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر، ولا يأبه بالخطر.
كتبها ناصر بن مسهر العلوي
ولاية بهلا ٩ محرم ١٤٤٣
الموافق ١٨ أغسطس ٢٠٢١م








