ذكرنا في الموضوع السابق أن القانون أعطى للقضاة الإحالة الحق في أن يحيل بعض الجنايات على محكمة الجنح لتحكم فيها لا بالعقوبات المقررة للجنايات وإنما بعقوبة الحبس فقط المقررة للجنح، واضطر واضعو القانون إلى إعطاء القاضي هذا السلطان الواسع؛ لأنهم رأوا العلماء يخفقون في وضع نظرية علمية للعقوبة ويعجزون عن التوفيق بين مختلف المبادئ التي يراد أن تقوم عليها هذه النظرية, فآثروا أن يحلوا هذه المشكلة المعقدة حلاً عملياً وتركوا للقاضي من بعد التسليم بهذه المبادئ وإقرار نصوص القانون لها أن يوفق هو بين هذه المبادئ المتعارضة.
وعلى القاضي أيضاً أن يراعي مختلف الاعتبارات, فعليه أن يقدر خطورة الجريمة وأثرها في الجماعة, وعليه أن يقدر ظروف المتهم الشخصية, وظروفه التي أحاطت به وقت ارتكاب الجريمة, وصلحه مع المجني عليه وصلته به, فإن رأى أن ظروف الجريمة والجماعة تقتضي إهمال شخصية الجاني أهملها وشدد العقوبة. وإن رأى أن ظروف الجاني تقتضي الرأفة أخذ الجاني بالرأفة ما دامت الرأفة لا تضر بالجماعة، حيث كان من المفروض أن ينجح القضاة فيما أخفق فيه العلماء؛ لأن القاضي يراد منه أن يعالج حالات فردية واحدة بعد واحدة غير متأثر إلا بظروف هذه الحالة وحدها, أما العلماء فيراد منهم أن يعالجوا كل الحالات مرة واحدة ويضعوا لها قواعد تنطبق عامة عليها وتحكمها جميعاً. كان هذا هو المفروض المقدور, فهل صح الفرض ونجح التقدير أم أخفق القضاة كما أخفق من قبلهم العلماء؟ إن مقياس النجاح هو أثر العقوبة في علاج الجريمة وكبح جماح المجرمين, ونظرة واحدة إلى إحصائيات الجرائم سنة بعد أخرى تقطع بأن القضاة قد أخفقوا إخفاقاً لا يساويه إلا إخفاق من سبقهم من العلماء في معالجة نظرية العقوبة.
لكن السؤال المهم هنا، لماذا أخفق القضاة في تطبيق نظرية العقوبة؟
الواقع أن الذين قدروا للقضاة النجاح أخطأوا التقدير الصحيح, ولو أنهم أحسنوا تقدير الأمور بعض الشيء لما وقعوا في هذا الخطأ الشنيع, لقد عرفوا أن العلماء قد عجزوا عن تكوين نظرية سليمة للعقوبة؛ لأنهم أرادوا أن يجمعوا بين مبادئ متعارضة ويجعلونها ماثلة في كل العقوبات, فكيف يتوقعون نجاح القضاة وهم يجبرونهم على أن يسلكوا نفس السبيل حين أباحوا لهم يراعوا كل هذه المبادئ في كل جريمة دون استثناء؟ وهل يستطيع القاضي أن يوفق في أي جريمة خطيرة بين خطورة الجرائم وبين ظروف الجاني المخففة إلا على حساب الجريمة بأن ينزل عن العقوبة التي تقتضيها خطورة الجريمة ليحكم بعقوبة تتلاءم مع ظروف الجاني بقدر الإمكان, وهذا الحكم الذي ينقذ الجاني من العقوبة يضر في الوقت نفسه بأمن الجماعة ونظامها, ويؤدي إلى نتيجة هي استخفاف المجرمين بالعقوبة وتهالكهم على الجريمة؛ فتزداد الجرائم ويختل الأمن, فالعقوبة التي وضعت لصلاح المجتمع يؤدي إلى إفساده إذا ما أسيء استعمالها, ولابد للقاضي أن يسيء استعمالها على الوجه الذي بينا بحكم الظروف القاهرة التي أحاطه بها القانون الوضعي.
لقد رتب القانون تخفيف العقوبة على ظروف الجاني, فهل يصعب في أية جريمة مهما كانت خطورتها أن لا تجد لجانٍ عذراً مخففاً؟ فتارة الجاني شاب يافع وتارة استفز لارتكاب الجريمة, وتارة وقع تحت مؤثرات قوية, وتارة دفعته للجريمة عقيدته السياسية أو الوطنية, إلى غير ذلك من الأعذار التي لا تفرغ منها جعبة الجناة والمدافعين عنهم, وهل يستطيع القاضي أن يصم أذنيه فلا يسمع دفاعاً, ويغلق قلبه فلا يرحم ضعيفاً, ويوقف عقله فلا يفكر في ظروف المتهم ولا يقدرها, خصوصاً إذا أحكم ترتيبها وأحسن عرضها؟ صحيح أن القانون أجاز للقاضي أن يأخذ بظروف الرأفة ولم يلزمه بها, ولكن هذا الجواز بالنسبة للقاضي يساوي تماماً الإلزام بل هو عين الإلزام؛ لأن الاعتراف بالظروف المخففة وترتيب أثر قانوني لها هو بمثابة تقرير حق الجاني قبل القاضي أساسه هذه الظروف المخففة, فأي قاضٍ يستطيع أن ينكر على الجاني حقه, أو يستطيع أن لا يرتب على دفاعه إذا صح أثره؟
وإذا كان واضعو القانون قد غلب على ظنهم نجاح القضاة؛ لأنهم سيعالجون حالات فردية فذلك هو الظن المجرد, وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً, فالقاضي يعالج حقيقة حالات فرادى، ولكنه يعالجها على نفس الأساس الذي كان يعالج به العلماء نظرية العقوبة, فالعلماء ينظرون إلى الجريمة وإلى المجرم معاً, والقاضي ينظر إلى الجريمة والمجرم معاً, والعلماء لا يريدون أن يضحوا بأحد هذين الاعتبارين أحياناً في سبيل الاحتفاظ بالآخر, والقاضي يفعل مثلهم ولا يستطيع أن يضحي بأحد الاعتبارين ويستبقي الآخر, فيؤدي به موقفه إلى أن يضحي بهما معاً وبمصلحة الجماعة وأمنها في أغلب الأحوال.
القاضي يشعر عادة بثقل مسؤوليته حين يفكر في الحكم بالإعدام وتنفر نفسه غالباً من مثل هذا الحكم ولا يقدم عليه ما دام يستطيع أن يستبدل الإعدام الأشغال الشاقة, وكذلك ينفر من الحكم بالأشغال الشاقة ويشعر بثقله على نفسه طالما كان في استطاعته أن يحكم بالسجن أو بالحبس, وقد يضايق القاضي أن يحكم على شخص ما لظروفه بالحبس مع النفاذ, ولكنه لا يرى غضاضة في الحكم عليه بالحبس مع إيقاف تنفيذ العقوبة, كذلك لا ينفر القاضي ولا يتردد أن يحكم بعقوبة ما أياً كان نوعها إذا لم يكن يستطيع أن يختار غيرها أو يستبدل بها أخف منها, وليس القاضي بدعاً في هذا, وإنما هي طبيعة الإنسان لا تتغير حتى يتغير تكوينه, فمن طلب منه أن يأتي بما ليس في طبيعته فقد طلب المحال وباء بالخسران والخذلان.
بالتالي، إن تطبيق العقوبات على الجرائم نزل بها درجة أو أكثر, فنزل بالإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة, ونزل بهذه إلى الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن, ونزل بكل من هاتين إلى عقوبة الحبس، القانون جعل لكل عقوبة حدين يرتفع أحدهما بالعقوبة إلى نهاية التشديد, وينزل بها الثاني إلى نهاية التخفيف, وقد خول القانون القضاة حق تقدير العقوبة من بين هذين الحدين, ولكنهم يميلون غالباً للتخفيف وينزلون في أكثر من الأحوال إلى حدها الأدنى؛ متأثرين في ذلك بمختلف العوامل، وبطبيعة الحال شرعت العقوبات ولا تزال لمحاربة المجرمين والإجرام, وحين يراد تحريم فعل معين تقدر له العقوبات التي يرى أنها كفيلة بزجر الناس عن إتيان هذا الفعل المحرم, فإن أدت العقوبة بالناس إلى أن يمتنعوا عن الفعل المحرم فقد نجحت العقوبة وأدت الغرض منها, وإن لم يزدجر الناس عن الفعل المحرم حاول أولو الأمر أن يعاقبوا عليه بعقوبة أكثر ردعاً من العقوبة السابقة.
فالمقياس الصحيح لنجاح عقوبة ما هو أثرها على المجرمين والجريمة, فإن نقص عدد المجرمين وقلت الجرائم فقد نجحت العقوبة, وإن زاد عدد المجرمين والجرائم فقد فشلت العقوبة, ووجب أن تستبدل بها عقوبة أخرى كفيلة بأن تردع المجرمين وتصرفهم عن ارتكاب الجرائم.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








