في عالم يزداد اضطرابًا وتفككًا وتسوده سياسة المحاور و الأقطاب ، تطل سلطنة عُمان من جديد كقبلة للحكمة ومنبر للحوار الهادئ، في وقت نحن فيه بأمسّ الحاجة إلى عقلاء يطفئون نيران الحروب قبل اشتعالها.
فمساء السبت 12 أبريل 2025، احتضنت العاصمة مسقط جولة محادثات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، في مشهد يعيد للأذهان تلك اللحظات التأريخية التي سبقت توقيع الاتفاق النووي عام 2015.
لم تكن هذه الخطوة مفاجئة لمن يعرف عُمان وتأريخها السياسي المتزن؛ دولة بنت دبلوماسيتها على الحياد الإيجابي لا الميوعة، وعلى المبادئ لا المناورات، وعلى احترام السيادة لا التدخل في شؤون الغير. و أثبتت السلطنة منذ عقود أن السلام ليس شعارًا بل مشروع دولة متكامل، يتطلب صبرًا، ومصداقية، واستقلالية في القرار.
و كان لافتاً في محادثات مسقط الأخيرة ليس فقط مضمونها النووي، بل توقيتها؛ إذ جاءت في لحظة حرجة سيطر فيها الخطاب المتشنج بين واشنطن وطهران إلى حد لم يترك مجالًا للعقل أن يتكلم : تحركات عسكرية في المياه الخليجية، تهديدات صاروخية، واستقطاب إقليمي متصاعد. ورغم ذلك، اختار الطرفان أن يصغيا إلى صوت مختلف، صوت عُمان، الذي لا يعلو ولا يصرخ، لكنه يُسمع لأنه صادق.
لثلاث ساعات، جلس المفاوضون في غرفتين منفصلتين تحت مظلة عُمانية، وتحدثوا بواسطة عٌمان بعيدًا عن ضوضاء الكاميرات، في دلالة على احترام متبادل للمكان ودوره. خرجوا بعدها بمصافحة دبلوماسية وعبارات إيجابية، واتفاق على لقاء جديد في السبت التالي، وكأنهم يقولون: “نعم، لا يزال هناك أمل”.
هذا الأمل تصنعه عُمان، لا بوصفها قوة عظمى، بل كقوة ناعمة تعرف أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأسلحة بل إلى مزيد من العقلاء. فدورها لا يقتصر على تقريب وجهات النظر، بل يمتد إلى حماية المنطقة من انزلاق لا تُحمد عقباه. وهي لا تتوسط لمجرد الحضور، بل لأنها تحظى بثقة الجميع، والأهم: لأنها لا تسعى لمكاسب خفية.
وفي الوقت الذي تلهث فيه قوى كبرى خلف استعراض القوة، تأتي مسقط لتذكرنا بأن الدبلوماسية ليست ضعفًا، بل هي أعلى درجات القوة. وأن السلام ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية في منطقة تتداخل فيها الأزمات من النووي إلى غزة، ومن النفط إلى الأمن المائي.
عُمان لا تبيع الوهم ولا توزع الشعارات، بل تبني مسارات للثقة في زمن عزّ فيه الصدق. ونجاح هذه المحادثات، إن تم، سيكون شهادة جديدة على نجاعة المدرسة العُمانية في فن إدارة الأزمات. كما أن فشلها – لا قدر الله – لن يكون تقصيرًا من السلطنة، بل تعبيرًا عن عمق المأزق الدولي والنظام العالمي أحادي القطبية الذي تهيمن عليه الغطرسة الأمريكية.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة تفاوض، بل اختبار لنموذج دبلوماسي فريد في العالم العربي، يُثبت أن هناك طريقًا ثالثًا بين الخضوع والمواجهة: طريق الوساطة النزيهة. وعُمان، كما أثبتت في أكثر من مناسبة، تمشي هذا الطريق بثبات، دون صخب، ودون تنازلات عن مبادئها.
و في زمن تسوده النزاعات والضجيج، تبقى سلطنة عُمان نقطة ضوء نادرة، تذكّرنا بأن السلام لا يُولد في المؤتمرات الكبرى، بل يُصنع في الزوايا الهادئة، حيث يعمل العقل قبل أن يعلو الصوت.
نجاح محمد علي

