لم يعد الحديث عن فرص العمل في عُمان مجرد نقاش اقتصادي، بل أصبح قضية كرامة وعدالة. كيف يُعقل أن يُفتح باب العمل للجميع، ثم يُغلق في وجه أبنائه؟ كيف يتحول الشاب العُماني إلى مُتفرِّج، بينما تُدار عجلة الوظائف باسمه، ولكن لغيره؟
ما يحدث اليوم ليس نقص فرص فقط، بل خلل صارخ في ميزان الأولويات. وإن لم يُواجه هذا الخلل بجرأة، فسنجد أنفسنا أمام جيل لا يطالب بالوظيفة فقط، بل يسأل: أين مكاني في وطني؟ إن الواقع كما هو بلا تزييف، في كل عام تتكرر نفس الصورة المؤلمة، إعلان عن وظائف قليلة، يتقدم لها الآلاف من الشباب العُماني.
سنوات من الدراسة، وشهادات تُعلّق على الجدران، وأحلام تُؤجل، ثم لا شيء. وفي المقابل، داخل كثير من الشركات- حتى العُمانية منها- واقع آخر، وظائف متوسطة وعليا يشغلها وافدون، بعضهم يتحكم في مفاصل القرار والتوظيف، فيفتح فرص العمل للغريب، ويغلقها في وجه المواطن.
وهنا تتجلى المفارقة الصادمة، ترى الوافد في عُمان يعيش حياة كريمة، يعمل في شركات مرموقة، برواتب تصل إلى آلاف، يسكن في أحياء راقية، يقود سيارة حديثة، وأبناؤه في مدارس دولية خاصة، ويتلقى هو وأسرته العلاج في مستشفيات خاصة، وكل ذلك ضمن مزايا توفرها له الشركة.
وفي الجهة الأخرى، ترى الشاب العُماني بلا وظيفة، بلا دخل ثابت، يؤجل زواجه، وإن تزوج يواجه ضغوطًا معيشية قاسية، يكافح لتأمين أساسيات الحياة، ويعيش على أمل فرصة قد لا تأتي.
المشكلة هنا ليست مقارنة بين شخصين، بل مقارنة بين واقعين داخل وطن واحد. واقع يُفتح فيه الباب على مصراعيه، وآخر يُغلق فيه الباب بصمت. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ كيف يُطلب من الشاب المواطن الباحث عن عمل والمُسرح الصبر، وهو يرى الغريب يعمل في أغلب الوظائف في أرض الوطن، كيف يقنع المواطن بذلك، وكيف تُبنى الثقة، في ظل شعور يتنامى بأن الفرص لا تُمنح بعدالة؟
أين تكمن المشكلة، وأين الخلل؟ نرى بأن المشكلة والخلل في ضعف الرقابة على سياسات التوظيف داخل بعض الشركات، وتحايل واضح على نسب التعمين، وتحويلها إلى أرقام شكلية، سيطرة بعض الإدارات الوافدة على قرارات التوظيف، وتوجيه الفرص وفق دوائر ضيقة، غياب المساءلة الجادة لمن يُقصي الكفاءات الوطنية، انتشار الواسطة والمحسوبية التي تُقصي المستحق وتُقدم غيره.
إن واقع الحال يتطلب وقفة حازمة حتى يتغير، وذلك من خلال تعمين فعلي للوظائف، وليس مجرد نسب على الورق، بل تطبيق حقيقي خاصة في المناصب المتوسطة والعليا، وتمكين الكفاءات الوطنية، وإعطاء الأولوية للعُمانيين في مواقع القرار والتوظيف، ورقابة صارمة ومحاسبة واضحة، لا استثناء لمن يتحايل أو يُقصي أبناء الوطن، والقضاء على الواسطة والمحسوبية، بوضع أنظمة شفافة للتوظيف قائمة على الكفاءة فقط، وبرامج تأهيل وتدرج وظيفي، تضمن انتقال الشباب من وظائف مبتدئة إلى مواقع قيادية خلال فترة محددة، واستثمار الثروات الوطنية لصالح المواطن – النفط، الغاز، المعادن، الثروات البحرية والزراعية – ويجب أن تنعكس هذه الثروات على حياة المواطن أولًا.
إلى متى يستمر هذا المشهد، ويُترك الشاب العُماني على الهامش، في وطنٍ يملك كل مقومات الفرص؟ إلى أصحاب القرار، إلى هنا وكفى، فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل أو التبرير. بلدٌ غني بثرواته، لا يليق به أن يكون فقيرًا في عدالته. إن لم تُضبط الموازين، وتُغلق أبواب الفساد، وتُفتح أبواب الفرص لأهلها، فإن الثمن لن يكون باحثين ومسرحين عن العمل فقط، بل فقدان ثقة جيل كامل بوطنه.
الأوطان لا تُبنى بالموارد وحدها، بل تُبنى حين يشعر أبناؤها أن لهم فيها نصيبًا عادلًا.
حمد الحضرمي – محامٍ

