إننا نعيش في زمنٍ أصبحت الكلمة الصادقة تُزعج، والرأي المختلف يُقصى، لم يعد الخوف على الوطن من الأخطاء، بل من أولئك الذين يرفضون الاعتراف بها. فكيف لمسؤولٍ يرتبك من نقد، ويغضب من ملاحظة، ويضيق صدره من رأي، إن يتحمل مسؤولية شعبٌ ووطن؟! إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الخطأ، بل الإصرار عليه، وليس التقصير، بل من يرفض أن يُقال له: أخطأت.
أما في زمن الصحابة والسلف الصالح، كانت الكلمة الصادقة تُرفع إليهم لا تُخفى عنهم، وكان النقد يُطلب لا يُقمع. فلم يصمت الناس، ولم يخافوا، وكان المسؤول يتقبل النقد والتوجيه والنصح، لا يغضب، لا يُهدد، لا يرفع شكوى على الناقد. فقد ثبت أن الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز يقول لمستشاره “إن رأيتني ضللت الطريق فخذ بتلابيب ثوبي وقل اتق الله فإنك ستموت يا عمر” هكذا عرفت سيرة العظماء الكبار على مر التاريخ، وهكذا تُبنى الدول، وهكذا تُحفظ الأوطان.
أما اليوم، فالكلمة تُحسب، والنقد يُرصد، والرأي قد يُكلّف صاحبه ما لا يحتمل! فما الذي تغيّر؟! هل تغيّر معنى المسؤولية، أم تغيّر من يجلس على الكرسي؟ كيف لمسؤولٍ أن يدير مؤسسة، وهو لا يستطيع إدارة رأيٍ مخالف؟! كيف يطالب بالثقة، وهو يخاف من كلمة؟! كيف يتحدث عن الشفافية، وهو يختبئ خلف القوانين ليُسكت الناس؟!
المشكلة لم تعد في النقد، المشكلة في عقلية مسؤول يرى في كل نقد تهديدًا، وفي كل ملاحظة إساءة، وفي كل صوت حر خطرًا يجب كتمه، والنصيحة يُغلق بابها في وجه أصحابها. فكم من مشروعٍ تعثر لأنه لم يُراجع؟ وكم من قرارٍ فشل لأنه لم يُناقش؟ وكم من مسؤولٍ ظنّ أنه على صواب دائم، لأنه لا يسمع إلا صدى صوته؟!
أيها المسؤول، حين ترفع قضية على مواطن لأنه انتقدك، فأنت لا تدافع عن حقك، بل تكشف ضعفك، وحين تُجرّم الكلمة، فأنت لا تحمي هيبة المنصب، بل تهدمها بيدك، وحين تُحاصر الرأي، فأنت لا تفرض الاحترام، بل تصنع الخوف، والفرق بينهما شاسع. المؤسسات لا تنهار بسبب النقد، بل تنهار حين يُمنع النقد، والفساد لا يبدأ بالسرقة، بل يبدأ حين يخاف الناس من الكلام.
في واقعنا اليوم تصعيد مؤلم، فكم من صوتٍ صمت، ليس لأنه مخطئ، بل لأنه لا يريد وجع الرأس؟ كم من مواطن رأى خللًا، فآثر السكوت لأنه يعرف أن الكلمة قد تُفسَّر، وتُؤوَّل، وتُقلب عليه؟ كم من فكرة إصلاحٍ ماتت قبل أن تُقال؟
التاريخ لم ينصف يومًا من أحاطوا أنفسهم بالمُصفِّقين، بل كتب أسماء الذين فتحوا أبوابهم للكلمة الصادقة، مهما كانت قاسية. لأن النقد ليس هدمًا، بل بناء، وليس إساءة، بل إنقاذ قبل فوات الأوان. وقد أسس عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قاعدةٌ خالدة حين قال “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها” فبهذا المبدأ تُصان الأوطان، لا بالمجاملات، ولا بإسكات الأصوات.
إن الأمم التي تتقدم لم تحقق ذلك لأنها بلا اخطاء، بل لأنها تواجه أخطائها بشجاعة، أما التي تتراجع، فإنها تُغلق أبواب النقد حتى لا يتم التصحيح. الوطن لا يحتاج إلى مسؤولٍ يُجيد التبرير، بل إلى من يُجيد الاستماع، فمن لا يحتمل كلمة، كيف يحتمل مسؤولية، ومن يرفض النقد، يفتح الباب للخطأ أن يكبر، حتى يلحق الضرر بالمواطن والوطن.
هكذا لا تُبنى الأوطان، هكذا تُخنق ببطء، فالمسؤول الذي لا يحتمل النقد، لن يسمع إلا المديح، والذي لا يسمع إلا المديح، لن يرى إلا نفسه، ومن لا يرى إلا نفسه، سيقود مؤسسته إلى الانهيار، وهو يظن أنه يُحسن صنعًا.
إن الفرق كبير بين من يقول قوموني عند الخطأ، ومن يقول ضمنيًا لا تقتربوا مني. تُقاس الفجوة، بين من يخاف على الناس، ومن يخاف على صورته، هنا يُعرف الفرق. أيها المسؤول، إن كنت لا تحتمل نقدًا، فأنت لا تستحق منصبًا، وإن كنت ترى في كل كلمة تهديدًا، فأنت الخطر الحقيقي، وإن كنت تحتاج إلى قانون ليحميك من رأي، فاعلم أن الكرسي أكبر منك.
ونُذكر كل مسؤول بأن المنصب ليس ملكًا، والصمت ليس رضا، والخوف ليس احترامًا. إن الأوطان لا تحتاج مسؤولين يُصفَّق لهم، بل تحتاج رجالًا يُقال لهم: أخطأتم، فيُصحّحون الخطأ.
المشكلة ليست في النقد، بل في مسؤول يضيق صدره بكلمة، ومسؤول يكره أن يقال له أخطأت، فإن كان المسؤول لا يحتمل صوت الحقيقة، فكيف يُؤتمن على مصير الناس، فالنقد لا يُسقط الأوطان، بل يحميها، والكلمة الصادقة ليست تطاولًا، بل أمانة وواجبًا علينا يُحفظ بها ميزان العدل.
حمد الحضرمي – محامٍ

