عندما تتكلم الوثائق
وثَّق الأرشيف الدبلوماسي بحثا دؤوبا وسعيا محموما من قبل السلطان قابوس -طيَّب الله ثراه- للوصول إلى النسخة الأصليَّة من رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل عُمان، يكشف ذلك عن اهتمامه البالغ بالإرث العُماني والرغبة في الوصول إلى كل ما يتعلق بتاريخ عُمان وحفظ متعلقات ومقتنيات ذلك الإرث.
هذا البحث من قبل جلالة السلطان الراحل حفظته الوثائق الدبلوماسية المتبادلة مع الجانب التركي في ملف حمل عنوان: (مراسلات حول البحث عن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل عُمان)، يتضمّن اثنتي عشرة صفحة (ص239-251) منشورة في المجلد الخامس من الوثائق التركية المترجمة إلى اللغة العربية بعنوان: (العلاقات العُمانية التركية من منظور الأرشيف الدبلوماسي)، الصادر في عام 2023م عن هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية.
افتتحت تلك المراسلات بوثيقة حملت عنوان: (لقاء سفير تركيا لدى مسقط، أورهان كولين، مع نائب رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية، معالي قيس بن عبد المنعم الزواوي حول زيارة الأخير المرتقبة إلى تركيا)، تقول الوثيقة: ‘أفاد سفير تركيا في مسقط، أورهان كولين، في الخطاب الذي أرسله إلى وزارة الخارجية التركية في 24 أغسطس 1986م، بأنه تلقى معلومات من نائب رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية، معالي قيس بن عبدالمنعم الزواوي، الذي قابله في ذلك اليوم بشأن زيارته إلى تركيا.
إذ أفاد معالي قيس الزواوي أنه قد خطط مع شقيقه الأكبر، معالي الدكتور عمر الزواوي، للقيام بزيارة خاصة إلى إسطنبول خلال الفترة من 28 إلى 30 أغسطس 1986م، وأنهما لم يرغبا في إزعاج أي سلطة رسمية تركية. وأضاف أنهما قد كُلِّفا على وجه الخصوص بمتابعة الموضوع التالي خلال الزيارة قائلًا: ‘يوجد لدى حضرة صاحب الجلالة، السلطان قابوس بن سعيد المعظم، الرسالة الأصلية التي بعثها الرسول خلال السنوات الأولى لانتشار الإسلام إلى عرب اليمن لدعوتهم للدخول في الإسلام.
ووفقًا للمعلومات لدينا، فإن الرسالة الأصلية التي بعثها الرسول إلى عرب عُمان التي تحمل نفس المعنى محفوظة في أرشيف الجمهورية التركية.
لذا، فإنه إذا قامت تركيا بتسليم جلالة السلطان الرسالة المكتوبة إلى عُمان، فإن جلالة السلطان على استعداد لإعطاء الجمهورية التركية الرسالة المكتوبة إلى اليمن.
بمعنى آخر على استعداد لتبادل هذه الرسائل وسيسعده ذلك جدًا. وقد عين السلطان قابوس معالي الدكتور عمر الزواوي خصيصا لهذا الغرض، وسوف نرحب بالآراء التركية التي ستنقلونها إلينا حول هذا الموضوع’.
وبعد جهود حثيثة من الجانب التركي في البحث عن النسخة الأصلية من رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل عُمان في الأرشيف العثماني جاء الرد الحاسم، كالآتي: ‘أفيد في الخطاب المرسل من وزارة الخارجية التركية، إلى السفارة التركية لدى مسقط، بتاريخ 23 أكتوبر 1986م ما يلي: بناءً على طلبكم تم البحث عن الرسالة المعنية من قبل المديرية العامة لأرشيف الدولة في رئاسة الوزراء التركية، وأفيد في الرد الذي ورد من المؤسسة المذكورة أعلاه، بأنه لا توجد مثل هذه الرسالة الخاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم’.
وبالرغم من عدم الوصول إلى النسخة الأصلية لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن العُمانيين يحفظون حروفها: ‘بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبدالله، (رسول الله)، إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما إن تقرا بالإسلام، فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما’.
وقد أرسلها النبي الكريم مع داهية من دهاة العرب وهو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي في السنة الثامنة للهجرة.
ولمزيد من الإضاءة على رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم فقد وجَّه خطاباته إلى الملوك والأمراء في تواريخ متفرقة خلال الفترة من شهر ذي الحجة من السنة السادسة للهجرة وحتى السنة الثامنة للهجرة بحسب ما يذهب إليه المؤرخون.
فملوك العجم الذين وجَّه إليهم عليه الصلاة والسلام خطاباته هم: (كسرى ملك الفرس، وهرقل ملك الروم، والمقوقس ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة).
أما ملوك العرب وأمراؤهم كانوا: (جيفر وعبد ابنا الجلندى ملكا عُمان، والمنذر بن ساوى حاكم البحرين، والحارث بن أبي شمر الغساني حاكم بعض ثغور الشام، والحارث بن عبد كلال الحميري حاكم اليمن).
وبالعودة إلى الرسالة، فقد استجاب العُمانيون لهذه الدعوة العظيمة ونشروها حيثما حلَّت مراكبهم وبركت قوافلهم. حيث توثق أمهات المصادر التاريخية الإسلامية إسراع جيفر وعبد إلى الدخول في الإسلام، فأسلما وأمرا قومهما بالدخول في الإسلام فأسلموا، وبعث جيفر بن الجلندى رسله إلى جميع أنحاء عُمان يدعونهم إلى الإسلام، ‘فما ورد رسول جيفر إلى أحد إلا أسلم وأجاب دعوته’، الأمر الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يثني على أهل عُمان وأشهر ما قاله فيهم: ‘لو أهل عُمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك’.
وقد استعرض فضيلة الشيخ أحمد بن سعود السيابي بعض المضامين على قيمة تلك الرسالة الثمينة والدعوة العظيمة، قائلاً: ‘ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن عُمان كانت المملكة العربية الوحيدة آنذاك، أو على الأقل كانت أكبر الممالك العربية إن صح إطلاق كلمة ممالك على بقية المناطق العربية بالمفهوم السياسي للدولة، أما عُمان فقد كانت دولة ملكية بالمفهوم السياسي المعاصر للدولة للأسباب التالية: امتدادها على مساحة واسعة من الأرض تمتد من سقطرى جنوباً وإلى حدود البحرين شمالًا. ووجود أسطول بحري، وقد أنشأه الملك الجلندى بن المستكبر والد جيفر وعبد.
والتراتيب الإدارية، وقد ذكر بعضاً منها عمرو بن العاص عندما ذهب لمقابلته، حيث بقي أياماً ينتظر الدخول على الملك جيفر، ثم وصف دخوله عليه بما يدّل على أبهة الملك. وهذه الأمور من مقومات الدولة الملكية بالمفهوم السياسي المعاصر أرضا وشعبا ونظام حكم’.
ختامًا، إن أهم ما يُقرأْ من خلال تلك الوثائق الدبلوماسية هو اهتمام وحرص السلطان قابوس -طيَّب الله ثراه- في الحصول على النسخة الأصلية من رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل عُمان، لما تمثله من أهمية وجدانية للعُمانيين، وقيمة تاريخية وثائقية لعُمان، إذا ما قلنا إن وثيقة الخطاب النبوي تعد أقدم وثيقة عُمانية مكتوبة.
د. أحلام بنت حمود الجهوري/ باحثة وكاتبة في التاريخ








