قد يبدو هذا السؤال غريباً للوهلة الأولى وقد لا يقف كثير من القراء عنده طويلاً، حيث ارتبطت صورة الطبيب البيطري عند الكثير من أفراد المجتمع في تشخيص وعلاج الحيوانات المريضة وبالعيادات البيطرية وغيرها من المهام المرتبطة بشكل مباشر مع الحيوان، ولكن ما لا يدركه الكثير من الناس أن جزءاً كبيراً من عمل الطبيب البيطري الحقيقي يحدث قبل ظهور المرض وقبل وصول مخاطر هذه الأمراض إلى الإنسان وقبل أن تتفاقم هذه الأوبئة.
فالسؤال المهم هنا ماذا سيحدث لو غاب أحد أهم عناصر خط الدفاع الأول وغابت منظومة الوقاية من الأمراض؟ فعلى الصعيد الحقلي، قد يبدأ الأمر بظهور أعراض مرضية على حيوان واحد ثم ينتشر بين حيوانات القطيع نفسه ثم المنطقة بأكملها وقد تنتشر في عدة مناطق ودول، كما يمكن أن يكون الوضع أسوأ بكثير لو كان هذا المرض من الأمراض المشتركة بين الحيوان والإنسان، مما سيؤدي إلى ظهور إصابات بشرية وبالتالي ستكون الخسائر مضاعفة، من حيث الخسائر الاقتصادية نتيجة لموت الحيوانات أو تكاليفها العلاجية والخسائر المتعلقة بتأثر الإنتاج وسلاسل الإمداد وغيرها بالإضافة إلى الخسائر البشرية وتكاليف العلاج، في حين أنه بفضل الطبيب البيطري بعد فضل الله يمكن تفادي هذه المشاكل كلها من خلال العمل على برامج الوقاية لتفاديها أو برامج الكشف المبكر لهذه الأمراض وبرامج التصدي والتعامل معها بسرعة في حال حدوثها.
وعلى صعيد موائدنا اليومية فكثير من المنتجات التي نستهلكها هي عبارة عن منتجات حيوانية المنشأ، ويشرف عليها الكثير من الأطباء البيطريون في مختلف سلاسل إنتاجها بدءاً من المزرعة حتى وصولها لنا، إذ يقوم الأطباء البيطريون باتخاذ كافة الإجراءات الرقابية والصحية التي تسهم في ضمان سلامتها وخلوها من المسببات المرضية وأي مواد أخرى قد تؤثر على صحة الإنسان وسلامته، وقد لا تكون هذه الجهود ظاهرة بالنسبة للكثير منا إلا أن نتائجها تظهر جلياً في سلامة المنتجات المستهلكة يومياً.
ومن هنا يجب أن نضع نصب أعيننا أن الوقاية تتمثل في حماية المنظومة المتكاملة من بداية مصادر الخطر، فأي مرض يمكن اكتشافه في الوقت المناسب سيسهم في منع الخسائر بمختلف أنواعها، وأي برامج وقائية أو إجراءات رقابية أو معلومات علمية صحيحة يتم تطبيقها ستساهم بشكل جلي في الحفاظ على صحة الإنسان والحيوان والبيئة وهو ما يعرف باسم منظومة الصحة الواحدة فهذه العناصر الثلاثة مرتبطة ببعضها البعض أي خلل في أحدها يمكن أن يؤثر على الآخر.
إن نجاح الطبيب البيطري ينبغي أن يقاس بعدد الأمراض التي مُنع انتشارها والأزمات التي تم التصدي لها والغذاء الآمن الذي وصل إلى موائدنا والثروة الحيوانية التي تم الحفاظ على سلامتها والمجتمعات التي تم حمايتها من الأمراض المشتركة والبيئة التي تم الحفاظ على سلامتها.
ومن هذا المنطلق فستكون الإجابة على سؤالنا :ماذا لو غاب الطبيب البيطري؟ .
إن أهمية وجود الطبيب البيطري في حياتنا اليومية قد لا يكون أمراً واضحاً بالنسبة للكثير من المجتمعات إلا في حال التعرض للأمراض التي كان الطبيب البيطري يسهم في منعها أو عند مواجهة المخاطر التي يمكن اكتشافها مبكراً وغيرها من الأزمات، فالطبيب البيطري هو جزء لا يتجزأ من منظومة الصحة الواحدة التي تسهم في حماية صحة الإنسان وغذائه واقتصاده علاوة على حماية صحة الحيوان والبيئة.
د. شهاب بن عبد المجيد البلوشي






