في يوم ما وخلال جولة لأحد أصحاب الشركات داخل مُؤسسته، وجد موظفا يتخذ إجراءً معيناً خلال إنهاء مُعاملة، فسأله صاحب الشركة: “ما سبب هذه الخطوة التي تعمل عليها”، فكانت إجابة الموظف: “هذا هو الإجراء المتعارف عليه”، فسأله صاحب الشركة مرة أخرى: “ومن وضع هذا الإجراء؟”، فأجاب الموظف: “لا أدري، لكنني وجدت هذا الإجراء معمولاً به منذ بداية التحاقي بالعمل هنا”.
هذا الموقف قد يبدو عادياً، لكنه يطرح عدة تساؤلات: هل تستمر الإجراءات لأنها ضرورية، أم لأننا اعتدنا عليها؟.
ولقد قررت الكتابة في هذا الموضوع لأنَّ توقيته مهم جدا، خاصة وأننا نعيش في مرحلة تتسم بالسرعة في التحولات الرقمية، وتتغير معها نظرة المواطن والمستثمر تجاه الخدمات الحكومية المختلفة، في ظل ارتفاع سقف تطلعات هذه الفئة بشأن التسهيلات التي قد تصنعها التقنية.
وبما أن الرقمنة أصبحت واقعاً ملموساً في عدد كبير من المؤسسات، فالتحدي الحقيقي الذي قد نواجهه ليس في تحويل مزيد من المعاملات لخدمات إلكترونية سريعة، بل في الكيفية التي يمكن من خلالها إعادة التفكير في المعاملة نفسها قبل رقمنتها.
ومن بين التجارب الفعلية التي تعد نموذجاً من النماذج المميزة وواضحة المسار، تجربة شرطة عُمان السلطانية، فقد أعطت المستفيدين مجموعة واسعة من خدماتها إلكترونياً، مثل القدرة على نقل الملكية ودفع المخالفات، وتجديد المركبات، والعمل على تخليص خدمات الجوازات والأحوال المدنية والتأشيرات، ورخص القيادة، كما ساهمت في توفير خدمات عبر التطبيق كالشهادات وغيرها، وكل ذلك متاح على مدار الساعة وبإنجاز فوري.
وكما نعلم جميعاً أن قيمة هذه التجربة لا تكمن فقط في القدرة على استخدام التقنية وحدها، بل في تغيير تجربة المستفيد، فالخدمة التي كانت تتطلب الكثير من الوقت والجهد ومراجعات متواصلة، أصبح بالإمكان إنجازها عن بعد وبصورة لحظية وبمرونة أكبر، وهنا يمكننا أن نسأل: ما الذي يأتي بعد أن تنجح رقمنة الخدمات؟
نحن بحاجة فعلياً للانتقال من مفهوم رقمنة الإجراءات نحو العمل على إعادة تصميمها، ومن إعادة تصميم هذه الإجراءات لإعادة النظر في مسارات العمل واتخاذ القرار، فليس الهدف هنا هو إنجاز العمل إلكترونيا وتقنياً، وإنما بمعرفة ما إذا كانت هذه الخطوات ضرورية من الأساس، وهل هذه القرارات تذهب نحو مستوى إداري مناسب، وهل نحن بحاجة لمنح صلاحيات أكثر أم لا؟
ففي هذا النوع من التحول يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم قيمة تتجاوز أتمتة الخدمات، لتساهم بصورة أكبر في دعم القرار الإداري ومعرفة الاحتياجات المستقبلية، والعمل على الكشف عن مكامن التعقيد قبل أن تتحول لمشكلة.
ونحن جميعاً ندرك أنَّ التقنية مهما وصلت قدرتها وتقدمها لا يمكنها أن تصنع إدارة أكثر كفاءة ما لم تتبعها ثقافة إدارية حقيقية، تنتقل من قياس عدد المعاملات اللحظية واليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية إلى قياس أثرها، الأمر الذي ينقلنا من فكرة: “هل اتبعنا الإجراء” إلى: “هل حقق الإجراء الغاية منه”؟.
وفي مسيرة رؤية “عُمان 2040” ربما ستكون الخطوة القادمة هي العمل على بناء نموذج إداري يتسم بالمرونة، ويعمل على الموازنة بين سرعة القرارات ودقة الرقابة، وبين تمكين المسؤول وضمان المساءلة، ويضع المستثمر والمواطن والمستفيد في قلب تصميم الخدمة، فما بعد الرقمنة لا يعني مزيدا من التقنية، بل يعني إدارة تعيد التفكير بشكل مستمر في الطريقة التي تعمل عليها، ليتبسط معها الإجراء ويصبح فيها القرار أسرع ويكون الأثر أكبر بكثير.
مدرين المكتومي






