حين نتحدث عن تأثير الحرب الإسرائيلية على الأمن المجتمعي في قطاع غزة، فإننا لا نتحدث عن مشهد عسكري عابر، ولا عن أضرار مادية يمكن حصرها بعدد المنازل والمنشآت التي دُمرت، وإنما نتحدث عن مجتمع كامل تعرضت مقومات حياته الأساسية لضغط متواصل، وعن إنسان لم تعد الحرب بالنسبة إليه مجرد خطر يهدد حياته في لحظة معينة، بل أصبحت واقعاً يطال منزله وأسرته وتعليمه وغذاءه وماءه وصحته وعمله وذاكرته ومستقبله، ولذلك فإن الأمن المجتمعي في غزة لا يمكن اختزاله في مفهوم الأمن العسكري، لأنه يرتبط قبل كل شيء بقدرة الإنسان على أن يعيش في بيئة تحمي حياته وكرامته وتوفر له الحد الأدنى من مقومات البقاء، وهي حقوق لا تسقط في زمن الحرب ولا يجوز أن تصبح رهينة للعمليات العسكرية أو للتجاذبات السياسية.
ومن هنا تأتي أهمية الكتابة عن غزة اليوم، لأن المأساة الإنسانية لا ينبغي أن تفقد حضورها لمجرد أن العالم اعتاد سماع أخبارها، ولأن غزة ليست رقماً في نشرات الأخبار ولا ملفاً سياسياً يمكن أن يُفتح ويُغلق وفقاً لتغير الأحداث الدولية، وإنما هي شعب وعائلات وأطفال ونساء وشيوخ وأطباء ومعلمون وطلاب وعمال، لكل منهم حياة كانت قائمة قبل الحرب وأصبحت مهددة أو مدمرة بسببها، وغزة في قلوبنا لأن الإنسان فيها يستحق أن يُرى ويُسمع وأن تبقى مأساته حاضرة في الذاكرة، ولذلك سنواصل الكتابة عنها والدفاع عن حق أهلها في الحياة والكرامة والحماية، لأن الصمت أمام الألم الإنساني لا يمكن أن يكون بديلاً عن المسؤولية، ولأن الدفاع عن المدنيين ليس انحيازاً إلى الحرب وإنما دفاع عن القواعد التي يفترض أن تحمي الإنسان عندما تشتد الحرب.
وإن مفهوم الأمن المجتمعي في القانون والممارسة الإنسانية يتجاوز حماية الفرد من الرصاص والقصف إلى حماية المنظومة التي تجعل الحياة ممكنة، فالمجتمع لا يكون آمناً عندما يتوقف إطلاق النار فقط، بل عندما يستطيع أفراده الحصول على الماء والغذاء والعلاج والمأوى والتعليم، وعندما تتمكن الأسرة من البقاء مجتمعة، وعندما يستطيع الطفل الوصول إلى المدرسة، والمريض إلى المستشفى، والنازح إلى مكان يحميه، والعامل إلى مصدر دخل، وعندما تكون المؤسسات المدنية قادرة على تقديم الخدمات الأساسية، ولهذا فإن تدمير هذه المقومات أو تعطيلها لا يمثل مجرد أضرار جانبية للحرب، وإنما يؤدي إلى تقويض الأساس الذي يقوم عليه الأمن المجتمعي نفسه.
ويضع القانون الدولي الإنساني قواعد واضحة لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة، وفي مقدمتها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالسكان المدنيين أو تقليله، كما تحظر قواعد القانون الدولي الإنساني استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وتفرض التزامات تتعلق بحماية الجرحى والمرضى والعاملين في المجال الطبي، وتوفر حماية خاصة لبعض الفئات والمنشآت التي تؤدي وظائف حيوية للسكان، ولذلك فإن أي نقاش حول الحرب في غزة يجب أن يبدأ من هذه القواعد لا من منطق القوة وحده.
وتزداد أهمية هذه القواعد عندما يتعلق الأمر بالاحتياجات التي لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها، فالغذاء والماء والدواء والمأوى ليست كماليات يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء النزاع، وإنما هي عناصر أساسية لبقاء السكان المدنيين، وقد نصت اتفاقية جنيف الرابعة على التزامات تتعلق بتوفير الإمدادات الغذائية والطبية للسكان، كما نظمت حالات الإغاثة عندما تكون الموارد المتاحة للسكان غير كافية، ويؤكد القانون الدولي الإنساني كذلك حظر استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، بما يجعل حرمان السكان من مقومات البقاء مسألة ذات بعد قانوني مباشر وليست مجرد قضية إنسانية.
وفي هذا السياق، اكتسبت أوامر محكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أهمية قانونية كبيرة، إذ أمرت المحكمة في يناير 2024 باتخاذ تدابير لمنع أفعال تقع ضمن نطاق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وشددت على ضرورة تمكين توفير الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية التي يحتاج إليها الفلسطينيون في قطاع غزة، ثم عادت المحكمة في مارس 2024، في ظل تدهور الظروف وانتشار الجوع والمجاعة، لتأمر باتخاذ تدابير فعالة لضمان توفير المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية على نطاق واسع، بما يشمل الغذاء والمياه والكهرباء والوقود والمأوى والملابس والنظافة والصرف الصحي والإمدادات والرعاية الطبية، وأكدت المحكمة في مايو 2024 ضرورة التنفيذ الفوري والفعال لتدابيرها السابقة.
وهذه الأوامر القضائية مهمة عند الحديث عن الأمن المجتمعي لأنها تكشف أن حماية المجتمع المدني لا تنفصل عن ضمان وصول الاحتياجات الأساسية إليه، فالإنسان الذي لا يجد ماءً آمناً أو غذاءً كافياً أو دواءً أو مكاناً آمناً للنوم لا يعيش حالة من الأمن حتى لو كان بعيداً عن موقع الاشتباك المباشر، والأمن هنا يصبح مفهوماً مركباً يجمع بين الحماية الجسدية والكرامة الإنسانية والقدرة على البقاء، ولذلك فإن استمرار انهيار الخدمات الأساسية يمكن أن يؤدي إلى نتائج اجتماعية وصحية تتجاوز لحظة الحرب نفسها وتمتد إلى مرحلة ما بعد توقف القتال.
وتقدم أزمة المياه في غزة مثالاً واضحاً على ذلك، فقد أفادت اليونيسف في تقرير منتصف عام 2026 بأن 82 في المئة من الأسر كانت تعاني انعدام الأمن المائي، وأن ما يصل إلى 70 في المئة من السكان لم يكونوا قادرين على الوصول إلى ستة لترات من المياه للشخص الواحد يومياً للشرب والطهي، وهو مستوى يقل كثيراً عن معايير الطوارئ، كما أفادت بأن ما يقارب 90 في المئة من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي تعرضت للضرر أو الدمار، الأمر الذي يزيد مخاطر الجفاف والأمراض المنقولة بالمياه والتلوث البيئي، ويحوّل الحصول على الماء من خدمة أساسية إلى معركة يومية من أجل البقاء.
ولا يمكن النظر إلى أزمة المياه باعتبارها مشكلة خدمية منفصلة، لأن انهيار منظومة المياه والصرف الصحي يؤثر في الصحة العامة وفي كرامة الإنسان وفي قدرة الأسر على حماية أطفالها من الأمراض، كما أن غياب الصرف الصحي الملائم يرفع مخاطر انتشار العدوى ويزيد الضغط على منظومة صحية تعاني أصلاً من أضرار جسيمة، وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين البنية التحتية والأمن المجتمعي، فالمجتمع الذي يفقد قدرته على توفير المياه الآمنة والصرف الصحي لا يواجه أزمة مادية فحسب، وإنما يواجه تهديداً متسلسلاً يطال الصحة والتعليم والعمل والأسرة والاستقرار الاجتماعي.
وتأتي الرعاية الصحية في قلب منظومة الأمن المجتمعي، لأن المستشفى في زمن الحرب لا يمثل مجرد مبنى طبي، بل يمثل خط الدفاع الأخير عن حياة المدنيين والجرحى والمرضى والنساء والأطفال، وحماية المنشآت الطبية والعاملين فيها والمرضى تخضع لقواعد خاصة في القانون الدولي الإنساني، كما أن حرمان السكان من الرعاية الطبية الأساسية يفاقم آثار الإصابات والأمراض ويزيد معدلات الوفيات التي كان من الممكن تجنبها، ويجعل كل إصابة بسيطة قابلة للتحول إلى مأساة أكبر عندما لا تتوفر الأدوية أو المعدات أو الكهرباء أو المياه أو الطواقم الطبية الكافية.
والأمر لا يتوقف عند الإصابات الناتجة عن الأعمال العدائية، لأن انهيار النظام الصحي يؤدي إلى تفاقم الأمراض المزمنة وحالات سوء التغذية ومضاعفات الحمل والولادة والأمراض المعدية والحالات التي تحتاج إلى علاج مستمر، وقد أشارت اليونيسف في تقريرها عن النصف الأول من عام 2026 إلى استمرار القيود الشديدة على الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي والحماية بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية والقيود على الحركة، كما أوضحت أن نقص الوقود وقطع الغيار والمواد الأساسية يؤدي إلى أعطال في منظومات الصحة والمياه والصرف الصحي، بما يجعل الأزمة الصحية جزءاً من أزمة مجتمعية أوسع.
أما الأسرة، وهي النواة الأولى لأي مجتمع، فقد تعرضت خلال الحرب لضغوط تتجاوز قدرتها الطبيعية على الاحتمال، فالنزوح المتكرر وفقدان المنازل ومصادر الدخل وفقدان أفراد من العائلة وتشتت الأقارب وتحول المسكن إلى مكان مؤقت أو مكتظ، كلها عوامل تؤثر في بنية الأسرة ووظائفها، وعندما يصبح الوالدان عاجزين عن تأمين الاحتياجات الأساسية لأطفالهما، أو يفقد أحد أفراد الأسرة دوره بسبب الإصابة أو الوفاة أو النزوح، فإن آثار الحرب تنتقل من المجال العسكري إلى المجال الاجتماعي، وتبدأ إعادة تشكيل العلاقات والأدوار داخل الأسرة بصورة قد تستمر سنوات طويلة.
وقد أصبح النزوح أحد أكثر مظاهر الحرب تأثيراً في الأمن المجتمعي، لأن الإنسان لا يفقد منزله فقط عندما يُجبر على مغادرته، بل يفقد جزءاً من علاقته بالمكان وبالجيران وبالمدرسة وبمكان العمل وبشبكة الأقارب والخدمات التي كانت تشكل حياته اليومية، وعندما يتكرر النزوح أكثر من مرة تصبح فكرة الاستقرار نفسها مهددة، ويعيش الإنسان في حالة من عدم اليقين لا يعرف معها أين سيقيم أو متى يستطيع العودة أو ما إذا كان المكان الذي غادره سيظل قائماً، وقد أفادت اليونيسف في منتصف عام 2026 بأن نحو 1.9 مليون شخص من أصل 2.1 مليون في غزة كانوا نازحين، وهو رقم يوضح حجم التحول الاجتماعي الذي أحدثته الحرب.
والنزوح الجماعي بهذا الحجم لا يمثل مجرد انتقال جغرافي للسكان، وإنما إعادة تشكيل للخريطة الاجتماعية، لأن المجتمعات المحلية التي كانت تتكون من أحياء وعائلات وشبكات قرابة وجيرة أصبحت مضطرة إلى إعادة تنظيم نفسها في أماكن مكتظة أو مؤقتة، ومع هذا التحول تتراجع الخصوصية ويزداد الضغط على الخدمات وتظهر مخاطر جديدة تتعلق بالحماية والعنف والاستغلال، خصوصاً بالنسبة للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، ولذلك فإن حماية النازحين ليست مجرد توفير خيمة أو مكان للنوم، وإنما تعني توفير بيئة تحفظ الكرامة وتقلل مخاطر الاستغلال والعنف وتتيح الحصول على الخدمات الأساسية.
ويأتي الأطفال في مقدمة الفئات التي تكشف عمق الضرر الذي أصاب الأمن المجتمعي، لأن الطفل الذي يعيش الحرب لا يخسر الحاضر فقط، وإنما قد يخسر جزءاً من مستقبله أيضاً، فالمدرسة التي تُغلق، والمنزل الذي يُهدم، والأسرة التي تتشتت، والخوف الذي يستمر لسنوات، كلها عوامل تؤثر في النمو والتعليم والعلاقات والثقة بالمستقبل، وقد أفادت اليونيسف بأن نحو تسعة من كل عشرة أطفال جرى التشاور معهم في غزة خلال النصف الأول من 2026 أفادوا بحاجتهم إلى دعم نفسي اجتماعي، كما تمكنت برامج التعليم المؤقت من الوصول إلى أكثر من 265 ألف طفل عبر 173 مركز تعلم، في محاولة لتوفير التعليم والدعم النفسي وخدمات الحماية.
والتعليم هنا ليس حقاً منفصلاً عن الأمن المجتمعي، فالمدرسة تمنح الطفل أكثر من المعرفة، فهي توفر الروتين والانتماء والتفاعل الاجتماعي والشعور بوجود مستقبل، وعندما ينقطع التعليم لفترة طويلة يصبح المجتمع أمام خسارة تتجاوز سنة دراسية أو امتحاناً مؤجلاً، لأن تراكم الانقطاع التعليمي يمكن أن يوسع الفجوة بين الأطفال ويزيد مخاطر التسرب وعمالة الأطفال والزواج المبكر والاستغلال، ويضعف فرص جيل كامل في الوصول إلى سوق العمل، ولهذا فإن إعادة تشغيل المدارس ليست مرحلة لاحقة من إعادة الإعمار فقط، وإنما جزء من استعادة الأمن المجتمعي نفسه.
ومن منظور قانوني، فإن حماية التعليم ترتبط بحماية المدنيين والأعيان المدنية، كما أن المدارس والمرافق التعليمية لا تفقد طبيعتها المدنية لمجرد وجودها داخل منطقة حرب، ولا يجوز استهدافها ما لم تتحول إلى هدف عسكري وفق الشروط التي يحددها القانون الدولي الإنساني، ومع ذلك فإن الضرر الذي يلحق بالمدارس حتى عندما لا يكون المبنى نفسه هدفاً مباشراً يمكن أن تكون له آثار اجتماعية واسعة، لأن تدمير البيئة المحيطة بالعملية التعليمية قد يجعل الوصول إلى التعليم غير ممكن، وهنا يصبح واجب حماية المدنيين مرتبطاً أيضاً بضرورة الحفاظ على إمكانية استمرار الحياة المدنية.
أما الصحة النفسية، فهي واحدة من أكثر جوانب الأمن المجتمعي التي قد تبقى غير مرئية، لأن آثار الحرب لا تظهر دائماً في صورة جرح أو إصابة يمكن تصويرها وتوثيقها، فالخوف المستمر وفقدان الأحبة والنزوح والتعرض المتكرر للخطر والعيش وسط الدمار كلها تجارب يمكن أن تترك آثاراً عميقة على الإنسان، وحين يتعرض مجتمع كامل لمثل هذه التجارب فإن القضية لا تعود قضية حالات فردية، وإنما تتحول إلى تحدٍ جماعي يحتاج إلى برامج طويلة الأمد للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة بناء الشعور بالأمان.
وتؤكد التجربة الإنسانية في غزة أن إعادة بناء المجتمع لا يمكن أن تقتصر على إعادة بناء الجدران، فالبيت الذي يُعاد تشييده لا يعيد بالضرورة الأب أو الأم أو الطفل الذين فقدتهم الأسرة، والمدرسة التي يُعاد ترميمها لا تعيد السنوات التي فقدها الطالب، والمستشفى الذي يُعاد تشغيله لا يمحو آثار المرض والإصابات، ولهذا فإن التعافي الحقيقي يحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات تجمع بين الإعمار المادي والدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التعليم واستعادة فرص العمل وتعويض الأسر ومساعدة الأطفال وإعادة بناء المؤسسات المدنية.
ومن هنا يظهر البعد الاقتصادي للأمن المجتمعي، لأن الفقر والبطالة وفقدان مصادر الدخل لا تؤثر فقط في مستوى معيشة الأسرة، وإنما تؤثر في قدرتها على الصمود أمام الأزمات، وكلما فقدت الأسرة قدرتها على تأمين الغذاء والماء والسكن والتعليم والرعاية الصحية ازدادت حاجتها إلى المساعدات الإنسانية، ومع استمرار الأزمة يصبح المجتمع أكثر اعتماداً على الإغاثة وأقل قدرة على إعادة إنتاج حياته الاقتصادية بصورة طبيعية، ولذلك فإن استعادة الأمن المجتمعي تحتاج إلى استعادة الاقتصاد المحلي وفرص العمل والدخل، وليس فقط توفير المساعدات العاجلة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية قانونية وإنسانية إضافية لأن المساعدة الإنسانية ليست بديلاً عن حماية المدنيين، بل هي إحدى الوسائل الضرورية لتقليل آثار الحرب عندما يعجز السكان عن تأمين احتياجاتهم بأنفسهم، وقد شددت محكمة العدل الدولية في أوامرها المتعلقة بغزة على ضرورة توفير المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية، فيما تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن قواعد القانون الدولي الإنساني تتضمن أحكاماً تتعلق بإتاحة المساعدة الإنسانية للسكان المحتاجين وحماية العاملين في المجال الإنساني وفق القواعد ذات الصلة، وهو ما يعني أن إيصال المساعدة يجب أن يُنظر إليه ضمن منظومة الحماية وليس كعمل خيري منفصل عنها.
كما أن القانون الدولي الإنساني لا يحمي الإنسان فقط من القتل والإصابة، وإنما يحاول الحد من الوسائل والآثار التي تجعل حياة المدنيين غير محتملة، ولذلك فإن الحديث عن الأمن المجتمعي يسمح بقراءة الحرب من زاوية أوسع، فحين تنهار المياه والصرف الصحي والصحة والتعليم والسكن والعمل والغذاء في وقت واحد، فإن المجتمع يفقد واحدة تلو الأخرى أدواته الطبيعية للبقاء، ويصبح الإنسان محاصراً ليس فقط بالخطر المباشر، وإنما بانهيار البيئة التي تجعل الحياة ممكنة، وهذه النتيجة تفرض على المجتمع الدولي مسؤولية تتجاوز إصدار البيانات إلى ضمان احترام قواعد القانون وتوفير الحماية والمساعدة والمساءلة وفق الآليات القانونية المختصة.
ولا يمكن تجاهل أن القانون الدولي الإنساني يضع قيوداً على سير العمليات العسكرية حتى عندما تكون هناك أهداف عسكرية مشروعة، فمبدأ التناسب يحظر الهجمات التي يُتوقع أن تسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بهم أو أضراراً بالأعيان المدنية تكون مفرطة بالنسبة إلى الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة، كما يفرض القانون اتخاذ الاحتياطات الممكنة في الهجوم، وهذه القواعد تعكس فكرة أساسية مفادها أن الضرورات العسكرية ليست تفويضاً مفتوحاً لتجاهل حياة المدنيين أو تحويل المناطق المدنية إلى ساحات لا حدود فيها للخطر.
وفي المقابل، فإن حماية المدنيين تظل مسؤولية جميع أطراف النزاع وفق القواعد المنطبقة، ولا يجوز أن تصبح الانتهاكات التي يرتكبها طرف مبرراً لحرمان المدنيين من الحماية، فالقانون الدولي الإنساني لا يعمل بمنطق المعاملة بالمثل في حماية المدنيين، ولا يمكن أن يكون وجود جماعة مسلحة داخل منطقة مدنية سبباً تلقائياً لفقدان جميع المدنيين الموجودين فيها لحمايتهم، كما أن حماية المدنيين لا تعني تجاهل المخاطر التي تواجهها الأطراف الأخرى، وإنما تعني إخضاع العمليات العسكرية كلها للقواعد القانونية التي تحكم النزاعات المسلحة.
وهنا تبرز أهمية التوثيق والمساءلة، لأن آثار الحرب على الأمن المجتمعي لا ينبغي أن تختفي بمجرد انتهاء العمليات العسكرية، فالانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني تحتاج إلى التحقيق وفق الآليات المختصة، والأضرار التي لحقت بالبنية المدنية تحتاج إلى توثيق، وحالات القتل والإصابة والتهجير والحرمان من الاحتياجات الأساسية تحتاج إلى حفظ الأدلة، وقد أكدت محكمة العدل الدولية في أوامرها ضرورة اتخاذ تدابير للمحافظة على الأدلة المرتبطة بالادعاءات التي تنظر فيها القضية، بما يوضح أهمية التوثيق في أي مسار قانوني لاحق.
إن المجتمع الذي يعيش الحرب لفترة طويلة يتغير حتى لو بقيت هويته وذاكرته، فالأجيال التي تكبر وسط النزوح والدمار تحمل معها تصوراً مختلفاً عن الأمن والمستقبل، والأسر التي فقدت أفراداً منها ستحتاج إلى سنوات لاستعادة توازنها، والاقتصاد الذي فقد بنيته الإنتاجية يحتاج إلى وقت طويل لإعادة تشغيله، والمؤسسات التي تعرضت للدمار أو التعطيل تحتاج إلى إعادة بناء كوادرها وقدرتها على العمل، ولذلك فإن آثار الحرب المجتمعية قد تكون أطول من الحرب ذاتها، وقد تستمر بعد توقف القصف بسنوات أو حتى عقود إذا لم تُعالج بصورة شاملة.
ولهذا فإن وقف الحرب، على أهميته وضرورته، لا يمثل وحده نهاية الأزمة المجتمعية، بل ينبغي أن يتبعه مسار طويل لاستعادة الأمان، يبدأ بإزالة الأخطار المباشرة وفتح المجال أمام المساعدات، ثم إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي، وتأمين المساكن، وإعادة الأسر النازحة عندما تسمح الظروف، واستعادة مصادر الدخل، وتوفير خدمات الصحة النفسية، وحماية الأطفال، وإعادة بناء المؤسسات المدنية، وهي عملية يجب أن يكون الإنسان محورها الأساسي وليس الحجر وحده.
كما أن إعادة الإعمار يجب ألا تكون مجرد عملية إسمنتية لإعادة المباني إلى ما كانت عليه، لأن إعادة بناء المجتمع تحتاج إلى معالجة الأسباب والآثار المتراكمة التي خلفتها الحرب، وإلى تصميم الخدمات العامة بما يضمن قدرتها على العمل في الأزمات المستقبلية، وإلى استعادة الثقة بين المجتمع والمؤسسات، وإلى ضمان وصول الخدمات بصورة عادلة، وإلى حماية الفئات الأكثر هشاشة، فالأمن المجتمعي الحقيقي هو قدرة المجتمع على الصمود أمام الصدمات دون أن يفقد كرامته وتماسكه وقدرته على حماية أفراده.
ومع ذلك، فإن الحديث عن الدمار لا ينبغي أن يحجب قدرة المجتمع الفلسطيني في غزة على التضامن والصمود، فقد ظهرت خلال الحرب شبكات واسعة من المساعدة المحلية والعمل التطوعي والمبادرات المجتمعية، واستمرت محاولات التعليم والرعاية وتوفير المياه والغذاء رغم القيود والدمار، وهذا الجانب مهم لأن المجتمع ليس مجرد ضحية سلبية لما يحدث له، وإنما يمتلك قدرة على التكيف وإعادة تنظيم نفسه، وهذه القدرة ستكون إحدى الركائز الأساسية لأي عملية تعافٍ مستقبلية، بشرط أن تتوافر لها الحماية والموارد والبيئة القانونية والإنسانية المناسبة.
ومن هنا يمكن القول إن الحرب الإسرائيلية على غزة لم تؤثر في الأمن المجتمعي فقط من خلال القتل والإصابة والدمار المباشر، وإنما من خلال ضرب مجموعة مترابطة من المقومات التي يحتاج إليها المجتمع كي يعيش، فحين يتضرر المنزل يتضرر الاستقرار الأسري، وحين تتضرر المدرسة يتضرر المستقبل، وحين يتضرر المستشفى تتضرر القدرة على إنقاذ الحياة، وحين تنهار المياه والصرف الصحي تتضرر الصحة العامة، وحين يفقد الناس أعمالهم تتضرر القدرة الاقتصادية، وحين يتكرر النزوح تتضرر الروابط الاجتماعية، وحين يستمر الخوف تتضرر الصحة النفسية، وهذه السلسلة المتصلة هي التي تجعل الأمن المجتمعي في غزة قضية تتجاوز البعد العسكري إلى البعد القانوني والإنساني والاجتماعي.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط كم مبنى دُمر في غزة، ولا كم طريقاً أو مدرسة أو مستشفى يحتاج إلى إعادة بناء، وإنما كم من مقومات الحياة الإنسانية يحتاج إلى استعادة، وكم من السنوات يحتاجها طفل عاش الحرب كي يشعر أن الليل لا يعني الخوف، وكم من الوقت تحتاجه أسرة فقدت منزلها وأحد أفرادها كي تستعيد معنى الاستقرار، وكم من الجهد الدولي يحتاجه مجتمع بأكمله كي ينتقل من مرحلة البقاء إلى مرحلة الحياة، فالأمن المجتمعي لا يُقاس بغياب صوت القصف وحده، وإنما بوجود الغذاء والماء والدواء والمأوى والتعليم والعمل والحماية والكرامة والقدرة على التخطيط للمستقبل.
غزة في قلبنا لأنها ليست مجرد قضية على هامش العالم، ولأن الإنسان فيها يستحق أن يعيش كما يستحق أي إنسان آخر أن يعيش آمناً حراً مكرماً، ولن تكون كثرة الأزمات العالمية سبباً لنسيانها، ولن يكون طول الحرب مبرراً للاعتياد على صور الألم، ولن تتحول معاناة أهلها إلى رقم متكرر يفقد معناه، وسنبقى نكتب عنها لأن الكتابة في وجه النسيان شكل من أشكال حفظ الذاكرة، وسنبقى ندافع عن حق أهلها في الحياة والحماية والكرامة، لأن القانون الدولي الإنساني وُضع في جوهره ليقول إن الحرب مهما اشتدت لا تمنح أحداً حق إلغاء إنسانية المدنيين، وإن المجتمع الذي تحمل كل هذا الألم يستحق بعد النجاة فرصة حقيقية لاستعادة حياته وأمنه ومستقبله.
إن غزة تحتاج إلى أكثر من إعادة إعمار، تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع، وإلى ضمان أن تتحول قواعد القانون الدولي من نصوص مكتوبة إلى حماية فعلية، وأن تصبح المساعدات الإنسانية حقاً يصل إلى مستحقيه، وأن تستعيد المدارس والمستشفيات والمياه والصرف الصحي والخدمات المدنية دورها، وأن يجد الأطفال طريقهم إلى التعليم والحياة الطبيعية، وأن تحصل الأسر على فرص استعادة الاستقرار، وأن تُعالج آثار الحرب النفسية والاجتماعية، وأن تبقى حقوق الضحايا حاضرة في أي مسار للمساءلة والعدالة، فحينها فقط يمكن القول إن الأمن المجتمعي بدأ يستعيد عافيته، أما إعادة بناء الجدران فوق مجتمع ما زالت جراحه مفتوحة فلن تكون سوى بداية ناقصة لتعافٍ لم يكتمل بعد.
عبدالعزيز بن بدر القطان / الكاتب والمحامي الكويت.







