د. صالح بن عبدالله الخمياسي
ترجل فارس الصبرعن جواده. رحل عنا بجسده ولكنه سيظل يلهمنا بإرثه وتجربته و ما تركه لنا من أثرإنساني قيم. كنت أتابع ما ينشره محمد مبارك العريمي قبل إن يخلد ذكره في أذهان القراء بإسمه الأدبي. قرأت له قصصا قصيرة و دراسات و مقالات متناثرة نشرت بعدد من الصحف و المجلات.
كانت “مذاق الصبر” إطلالته الأولى على المشهد الثقافي بمغامرته الجديدة التي طرزت بإسمه الأدبي محمد عيد العريمي الذي ظل خالدا في أذهان من عرفوه حتى خط النهاية.عمل أدبي يمزج بين فني السيرة الذاتية والرواية. تجربةً كتابية تمت حياكة سطورها بتأني وصبرصانع سفينة لا يتنازل عن إتقان أصغرتفاصيلها.
لقد حفزت خصوصية التجربة الإنسانية و براعةً محمد السردية القراء فتحمسوا لقراءة مذاق الصبرفمنهم من قرأها في يوم واحد، بينما أنهى البعض قرأتها في يومين فقط على حد قولهم. وعلى نقيض مما توقعه محمد كانت حفاوة إحتفاءهم بها مذهلة. لقد تفاعلوا
مع ما حوته من تجربة إنسانية قاسية ومريرة، فآثروا الإقتراب منه والتعرف على تجربته بتفاصليها دافعهم إلى ذلك فضول معرفي وتعاطف إنساني، سيما وأن بطلها كان في سنوات شبابه، حديث عهد بحياته الزوجية والعملية، مقبلًا على الحياة بأحلامها وآمالها.
جاءت كتابة مذاق الصبر بعد قرابة العشرين عاما من تلك الحادثة. زمن طويل إختمرت في ذهنه خلاله الكثير من الأفكار و الرؤى و إعتلجت في صدره مشاعروأحاسيس متناقضة فتصدع جدار صمته الذي طال أمده ، ولم يقو بعدها على أن يكتم أسرار تلك التجربة وتفاصيلها ووقعها على حياته وحياة من حوله.
أمسك محمد خلالها بالقلم للبوح عن مكنونات تجربته،ولكي ينفث آهات وجعه. أخذ يسطر الصفحة تلو الأخرى علها تخفف عنه وطأة ألمه العميق وجرحه الغائرالذي أنهكه، مجسدًا تجربة إنسانية تحمل في ثناياها مرارة المعاناة وقسوة الوعي بواقعه الجديد. واقع فرض عليه أن يتكيف معه، ويتعامل مع الآخر وفقًا لمعطياته. لقد ألفى نفسه أمام واقع لا يشبه ذلك العالم الذي حلم به بعد عودته من الولايات المتحدة كثاني عماني يحمل معه بكالوريوس في الهندسة الصناعية ، و إلتحاقة بالعمل في شركة تنمية نفط عُمان، ثم زواجه واستعداده ليعيش فصول الحياة التي رسمها في مخيلته واستولت على ذهنه.
كان نداء القدرمغايرا. فبينما كان محمد يشق طريقه بعد قضاء إجازة قصيرة مع أهله من مدينته صورمتوجهًا إلى مسقط، ومنها إلى حقول النفط بمرمول،تعرض لحادث لم يكن في الحسبان. ارتطم بجمل كان يعبر الطريق فهوى الجمل على سيارته نجم عنه إصابته بشلل رباعي غير مجرى حياته رأسا على عقب وكأن القدر كان يعده ليبحرفي فصل قاسٍ من فصول حياته، محنة لفته بسحب كثيفة السواد، ونزاع نفسي ثائر، واحتجاج يزأر فيه بطل هذه القصة كزئيرالأسود، دون جدوى إذ لايجدي البكاء على اللبن المسكوب. هكذا وجد محمد نفسه دون سابق إنذار رهين إعاقة صاحبته منذ تلك اللحظة حتى رمقه الأخير في يوم الخميس ٢٤-٩-٢٠٢٦.
خضع لفترة علاج طويلة. تلتها فترة تأهيلية، ثم أعقبها تحول مهني. فبعد أن كان مهندسًا يذرع الميدان بخطاه وأفكاره وأحلامه، أصبح مترجمًا ينجز ما يحال إليه من معاملات. لقد إحتسى جرعات متتالية من مرارة الصبر،
لكن قوة إرادته وتعلقه بوميض الأمل وإدراكه بلطف الله ومعجزاته، جعلاه يطل على الدنيا من نافذة الأدب و لسان حاله يقول كن جميلا ترى الوجود جميل. لقد إتخذ من الأدب والكتابة نافذة يطل من خلالها على العالم ، و يوثق ما تشكل في مخيلته من تجربة إنسانية، ليعزف على إثرها مذاقًا آخر. محنة عميقة لم يستسلم البطل خلالها، وإن راودته الأفكار وصارعته النوازع النفسية التي طرقت ابواب قلبه وعقله، كالموج وهي تلتطم بالشاطئ بعنف، ثم تأخذ استراحة محارب، فتنحسر وتتراجع إلى الوراء.
عبر هذه النافذة بدأ محمد رحلة أخرى لا تشبه تلك الرحلات التي حلقت به من وادي المرثم مدينة صورومنها إلى عوالم إختزلتها مخيلته كصبي ثم شابا مليئا بالحيوية و الفضول المعرفي. رحلات بحرية وطأة قدماه خلالها الكويت و السعودية و الإمارات العربية المتحدة و قطر وصولا إلى الولايات المتحدة الأمريكية طلبا للعلم.
رحلة بوحه و تعبيره لم يعد فيها الألم مجرد تجربة شخصية، وإنما أصبح مادة للكتابة، ومصدرًا للتأمل، وجسرًا يعبر عليه إلى عوالم الإنسان والمكان والذاكرة. فبعد “مذاق الصبر” جاء “حز القيد”، ليواصل من خلال الرواية ما بدأه في السيرة، وكأن القيد الذي عرفه في تجربته لم يعد قيد الجسد وحده، وإنما أصبح سؤالًا مفتوحًا عن الحرية والإنسان وما يمكن أن تفعله القيود بحياته ونظرته إلى الأشياء. ثم جاءت “بين الصحراء والماء”، لتأخذ تجربته إلى فضاءات أرحب، حيث المكان العماني بما يحمله من ذاكرة وتفاصيل وحكايات. الصحراء والماء، بما بينهما من تضاد، يصبحان أكثر من مجرد مكانين، بل ذاكرة تستحضرالإنسان وتستدعي ماضيه، وتفتح أمام القارئ أبوابًا على عمان بمكانها وإنسانها وتحولاتها. وفي “قوس قزح”جذبته القصة القصيرة، فاقترب أكثرمن تفاصيل الحياة، ومن الإنسان في لحظاته الصغيرة، تلك اللحظات التي قد تبدو عابرة لكنها تحمل في طياتها الكثيرمن المعاني والدلالات. واصل محمد رحلته مع الرواية في “حكايات يونس حيم”، تلتها “شهادة من زمن الحرب” لتتسع دائرة اشتغاله الأدبي، فلا تبقى محصورة في تجربته الذاتية، وإنما تمتد إلى الذاكرة والتاريخ والإنسان والمكان والحكاية.
لم يجعل محمد من إعاقته عنوانًا لحياته الأدبية، ولم يسمح للمحنة أن تختصره في صورة إنسان غيّرالحادث مجرى حياته، بل جعل منها نقطة انطلاق نحو عالم أوسع، أثبت فيه أن الإنسان قد يفقد بعض ما كان يظنه أساس حياته، لكنه يستطيع أن يكتشف في داخله مساحات أخرى لم يكن يعرفها من قبل؛ فخرج من محنة الجسد إلى رحابة الفكروقوة الكلمة، ومن صمت السنوات إلى عالم الحكاية، ومن ألم التجربة إلى متعة الكتابة، ومن موقع المتلقي لما جرى له إلى موقع الشاهد والراوي والكاتب.
إن قيمة تجربة محمد عيد العريمي الإبداعية يجب أن لا تقاس بعدد الكتب التي أصدرها أو بتنوعها بين السيرة والرواية والقصة والترجمة فحسب، وإنما بما أضافته إلى المشهد الثقافي العماني من صوت إنساني مختلف، استطاع أن يعبرمن الخاص إلى العام، ومن التجربة العمانية إلى فضاء أرحب في المشهد الخليجي والعربي. و لعل ترجمة “مذاق الصبر” إلى الإنجليزية تؤكد أن التجربة لم تبقَ حبيسة لغتها الأولى، وإنما وجدت طريقها إلى قارئ آخر وثقافة أخرى.
من هنا نجد أن تجربة محمد تضع أمامنا سؤالًا أكبر من الأدب نفسه. ماذا يفعل الإنسان عندما تأخذه الحياة إلى طريق لم يختره؟ هل يستسلم للواقع الجديد؟ هل يظل واقفًا عند لحظة السقوط؟ أم يبحث عن نافذة أخرى يطل منها على الحياة؟ هذه التساؤلات العميقة وما يصل إليه المتأمل من إجابات تجعل قراءة الأدب ليست للإستمتاع فقط بل للإستفادة من الدروس المستقاة من التجربة الإنسانية ذاتها.
إن تجربة محمد الأدبية بل الإنسانية في منظورها الشمولي تحمل في طياتها للشباب العماني درسًا يتجاوز حدود الأدب. درسًا يقول إن الطريق الذي رسمناه لأنفسنا قد يتغير، وأن الأحلام التي خططنا لها قد لا تتحقق بالصورة التي أردناها، وأن الإنسان قد يجد نفسه ذات يوم أمام واقع لم يستعد له ولم يختره. لكن ذلك لا يعني أن الرحلة انتهت.فقد يكون في الطريق الجديد ما لم نكن نراه في الطريق القديم.وقد تكون في المحنة بذرة موهبة لم نكتشفها، وفي الألم بداية وعي جديد، وفي الصمت كلمات تنتظر أن ترى النور.
سيجد المتمعن في هذه التجربة الإنسانية أن المهندس والمترجم والروائي الإنسان محمد عيد العريمي لم ينتصرعلى المحنة بنسيانها، بل بتحويلها إلى تجربة كتابية ذات أثرملموس تجلى عبرمذاق الإرادة؛ إرادة إنسان وإصراره على التشبث بالحياة ، فلم يسمح للمحنة أن تسلبه حياته، ولا للجسد أن يضع حدًا لطموحه، ولا للألم أن يصادر حقه في الحلم.
لقد رحل عنا الروائي محمد عيد العريمي رحمه الله و أسكنه الفردوس الأعلى، وبقيت كلماته شاهدة على أن بعض الناس لا يكتبون لأن الحياة كانت سهلة، بل لأنهم عرفوا قسوتها، ثم اختاروا رغم ذلك أن يقولوا لها: ما زلت هنا وما زال لدي ما أقوله.
رحم الله فارس الصبر وهو يترجل عن صهوة صبرة شامخا لم يرضى الاستسلام بل أصر أن تكون بصمته واضحة جلية تبحرإلى القلوب و العقول لتصل إلى عوالم بعيدة كما وصلتها سفن آباءه و أجداده الصورية من قبل وهي تكابد عنف الأمواج و غزارة الأمطار و تقلبات الجو و قسوة الرياح و ألم الغربة و الفقد و مخاطر شتى. هكذا هو الأثر حين يترجل فارس الصبر عن صهوة صبره بشموخ ويجعل للصبر مذاقا آخر.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية و التميز الشخصي






