د. صالح بن عبداللة الخمياسي
عبر فضاء عاشق عمان نستضيف شخصية ملهمة قادها طموح والدها لكي تصبح طبيبة أسنان. تكبدت الجهد المضني والسهر لكي تكمل متطلبات دراستها التي كانت تستهلك كل وقتها وهي تكرس كل جهدها ووقتها مثابرتة للوصول إلى خط النهاية، لترى بسمة الإنجاز ترتسم على وجه والدها الذي لطالما طمح أن تقتفي أكبر بناته أثره فتصبح طيبية متخصصة في مجال طب الأسنان وقد كان له ذلك.
بالفعل حققت الدكتورة اشجان حزام أمنية أبيها و ترجمت ذلك الحلم الى واقع. وبعد تخرجها انخرطت في ممارسة طب الأسنان لتقضي في هذه المهنًة عامين بعد ستة أعوام قضتها في الدراسة الأكاديمية. لكن المفارقة كانت في أنها بالرغم من سعيها الدؤوب والعمل لساعات طوال لم تجد شغفها في مجال طب الأسنان.
كان ذلك أمرا محيرا و قرارا صعبا فكيف تترك مهنة تخصصية كهذه تمدها بدخل مجزي و تمضي وراء شغفها و هي لا تدري الى أين ستجرفها الأيام القادمة. لقد تطلب ذلك المنحنى منها الجرأة و الشجاعة و تحمل آراء المقربين منها الذين لم يكونوا يروا ما تراه و لا يعيشوا الشغف الذي حركها من الداخل.
مضت في رحلة ترجمة شغفها الى واقع ملموس دون أن تنظر الى الوراء. وها هي اليوم فنانة تشكيلية و معالجة بالفن حاصلة على دكتوراه العلاج بالفن من مصر و دبلوم عالي في العلاج بالفن من كاليفورنيا ، كما أنها عضو في الجمعية الامريكية للعلاج بالفن تعنى بصحة الإنسان و توفر له علاج يبهج نفسه ولا يعرضه لألم أدوات طب الأسنان .
أقتربت منها للتعرف على أسرار العلاج بالفن و ماهيته و كيفيته و فوائده و قصص النجاح التي حققتها من خلال هذه اللمسة الإبداعية المحفزه. تحاورت معها فدلف الحوار بيننا إلى إتجاهات مختلفة نجملها في السطور التالية :
- هل يمكن للوحة أن تتحدث عندما تصمت الكلمات؟
عرف الرسم من قديم الازل قبل ان تُعرف الكلمات والاحرف حتى ان المؤرخين استدلوا على حياة الانسان القديم وصولا الى الحضارات العظيمة بالرسم و اللوحات التي وجدت من بداية ظهور البشرية حتى اليوم . لقد اصبحت اللوحات تعبر عن ما نعجز عن قوله في كثير من الاوقات واستخدام الالوان بات من اقوى اساليب التعبير ليس فقط فنيا بل اجتماعيا و اقتصاديا وحتى سياسيا . لذا نستطيع القول، نعم اللوحة هى تعبير بطريقة مختلفة تعبيرعن السعادة او الحزن اوالاشواق فالكثير من الحالات التي تعجز عن التخاطب في الوقت الحالي مثل حالات التوحد و الصم و البكم تستخدم الفن كلغة للحوار.

- هل اللون يعكس ما نشعر به؟
اللون يعتبر انعكاس واضح لما نشعربه، فالكثير مثلا يرتدي ملابس فاتحة الالوان و البعض يفضل الالوان الداكنة و في بعض الاحيان تجد انك تعجب بلون بشكل مفاجئ لم تكن تحبه من قبل هذا بالتحديد ما يسمى تأثير الالوان على مشاعرنا.
▪ ماذا يحدث داخلنا عندما نرسم؟
يعتبر الرسم طريقة حديثة لتفريغ المشاعر السلبية بداخلنا فكلما رسمنا اكثر نمنح عقولنا مساحة من الراحة و السكينة و نجد انفسنا نغرق في اللاوعي و هذا ما يساعد خلايا الدماغ على تفعيل هرمونات الشفاء والسعادة حتى انك تشعر باختلاف وجهة نظرك في موضوع ما قبل وبعد الانتهاء من رسم لوحة ما.
▪ هل نحتاج إلى موهبة فنية حتى نُشفى بالفن؟
لا يتوجب ان تكون صاحب موهبة لتمارس العلاج بالفن ،لأن العلاج بالفن من المفترض ان يصبح ثقافة اجتماعية موجودة في عالمنا مثلها مثل الرياضة .الرياضة تساعد الجسم للوصول الى الصحة المطلوبة والفن يساعد الدماغ على الوصول للصحة اللازمة لمقاومة الامراض بشتى انواعها الجسدية والنفسية. يتميز الفنانين المبدعين دائما بمزاج هادئ و قدرة على معالجة الاموروالنظر للمشاكل بطريقة مختلفة. من هذا المنظور نأخذ بعين الاعتبار اهمية الابداع في حياتنا. لذا يمكن القول أن الفرد لا يحتاج أن تكون لديه موهبة للإستفادة من الفن كوسيلة للتشافي. فلكي يتشافى الإنسان بالفن عليه فقط استخدام الالوان والاوراق والابتعاد عن التركيز في كل ما يمكن ان يتسبب له بالتوتر.
▪ كيف يتحول الرسم من إبداع إلى علاج؟
استخدامنا لموهبة الرسم لا يتوقف فقط عند رسم اللوحات و لكن يعتبر طريقة لعملية التوازن مابين شقي الدماغ الايمن و الايسر ومن ثم تنشيط الغدة الصنوبرية التي اصبحت خاملة في الاجيال الاخيرة والتي من اهم وظائفها توظيف خلايا الشفاء في شتى اعضاء الجسم و مقاومة الانزيمات الضارة و ضمور الخلايا الحية و المساعدة على الابداع و افراز هرمون السعادة. من هنا يفتح الفن لنا ابواب جديدة لممارسة مهن لم نعتد على وجودها كالعلاج بالفن ، تفريغ المشاعر، ضبط التركيز، تطويراساليب التخاطب كما يعتبر الفن وسيلة اساسية للمصابين بالتوحد والصم والبكم لانها تعتبراسهل طريقة لايصال المعلومات في حال لم يتمكنوا من النطق بشكل سريع ، مع الوقت والاستمرارية في الرسم ستجد بأن طريقة تفكيرك اصبحت مختلفة عن السابق بسبب ان الدماغ قد تحول نشاطه من استخدام الفص الايسر من الدماغ الى الشق الايمن و مواجة تحديات الحياة بحلول اكثر ابداعية .
- أين ينتهي الفن كهواية ويبدأ العلاج بالفن كممارسة مهنية؟
الفن بحد ذاته في ممارسة الرسم يعنبر هواية لكل شخص على حده، لكن العلاج بالفن يعتبر رسالة مهنية يجب نشرها للتوعية الاجتماعية فهى لا تقتصر على الموهبة بل هى وسيلة حديثة للتخلص من اي ضغوطات ممكن ان تواجهك مثلها مثل اهمية ممارسة الرياضة لتجنب ضمور العضلات .
- وهل يستطيع الفن أن يفتح باباً إلى مشاعر لم نكن نعرف كيف نصل إليها ؟
بالتأكيد الفن يعتبر اللغة التي لا تحتاج لاتقان او ترجمة اوعلم . قد تكتشف بأنك بحاجة للورد في حال قمت برسم وردة و قد تكتشف بأنك بحاجة للحنان اذا رسمت منزلا فيه والدتك وهكذا هو حال الفن ، فهو يعتبر بوابة كبرى ليس فقط للتعبيرعن ما بدواخلنا و لكننا قد نكتشف اشخاص في عقولنا نتعرف عليهم للمرة الاولى، فكلما ضاقت بك الافكار ابسط خطوة تقوم بها هى رسم ما بداخلك و ستجد الحل بالتأكيد.
حلق الوقت بنا سريعا و نحن نبحر في حوارنا حول العلاج بالفن.فإختتمت الدكتورة أشجان الحوار قائلة: انا أعالجهم بالفن فترتسم البسمة على وجوههم. نصيحتي للجميع إرسم على الورق و دع مشاعرك تتدفق، أنها تجربة رائعة ستكشف لك الكثير من الأسرار عن نفسك.
د. صالح الخمياسي باحث ومدرب وكوتش في مجال القيادة الذاتية والتميز الشخصي





