لم تعد الصورة أو التسجيل المصوّر دليلاً يكتسب قوته من مجرد ظهوره على الشاشة، بعدما أتاح الذكاء الاصطناعي إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو تبدو حقيقية إلى درجة يصعب معها على العين المجردة التمييز بين ما وقع فعلاً وما صُنع رقمياً، وهو تحول يضع قواعد الإثبات أمام اختبار قانوني غير مسبوق، لأن المسألة لم تعد تتعلق فقط بقدرة المحكمة على تقدير قيمة الدليل، وإنما أصبحت تبدأ من سؤال أكثر جوهرية، هل الدليل الذي تنظر إليه المحكمة يمثل واقعة حقيقية أصلاً أم أنه نتاج عملية اصطناع رقمي متعمدة.
وتزداد خطورة هذه المعضلة عندما يدخل التزييف العميق إلى المجال الجنائي، لأن مقطعاً مصطنعاً يمكن أن يظهر شخصاً وهو يرتكب جريمة أو يدلي باعتراف أو يصدر أمراً أو يهدد شخصاً آخر، وقد يؤدي تقديمه إلى المحكمة باعتباره تسجيلاً حقيقياً إلى التأثير في قناعة القاضي أو هيئة المحلفين، بما يمس مباشرة قرينة البراءة وحق المتهم في محاكمة عادلة وحقه في مناقشة الأدلة المقدمة ضده، ولذلك فإن التحدي الذي يفرضه التزييف العميق ليس تقنياً فقط، بل هو تحد يتعلق بجوهر العدالة ذاتها، وبالحدود التي يمكن أن يصل إليها القضاء في الاعتماد على دليل لم يعد مظهره الخارجي كافياً لإثبات أصالته.
وتكشف التطورات القانونية الحديثة أن هذه المخاوف لم تعد افتراضية، فقد شهد عام 2026 طرح قواعد إثبات أميركية مقترحة تتعامل صراحة مع احتمال تصنيع الأدلة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتقترح القاعدة 901(c) في صيغتها المقترحة نظاماً من مرحلتين، فإذا قدم الطرف الذي يطعن في الدليل ما يكفي لفتح تحقيق معقول في احتمال تصنيعه أو التلاعب به بواسطة الذكاء الاصطناعي، ينتقل العبء إلى الطرف الذي قدم الدليل ليُظهر للمحكمة أن الدليل أصيل على أساس رجحان الأدلة، وهو تطور يعكس إدراكاً بأن الادعاء العام بأن الفيديو مزيف لا يكفي، لكنه في الوقت نفسه يعترف بأن انتشار تقنيات التزييف العميق يستوجب حماية قضائية إضافية عندما تكون هناك مؤشرات جدية على الاصطناع.
وهنا تظهر إحدى أكثر المسائل حساسية في القانون، وهي مسألة عبء الإثبات، لأن العدالة الجنائية تقوم في أصلها على أن جهة الاتهام هي التي تتحمل عبء إثبات الجريمة ونسبتها إلى المتهم وفق المعيار الذي يفرضه القانون، ولا يجوز أن يتحول انتشار الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لقلب قرينة البراءة بحيث يصبح المتهم مطالباً بإثبات أن كل تسجيل يقدم ضده مزيف، لكن في المقابل لا يمكن تجاهل واقع تقني جديد أصبح فيه إنتاج تسجيل مصطنع أمراً متاحاً على نطاق واسع، ولذلك تتجه المناقشة القانونية الحديثة إلى البحث عن نقطة توازن بين عدم تحميل الطرف الطاعن عبئاً مستحيلاً وبين عدم السماح بمجرد الادعاء بوجود تزييف بإسقاط أدلة حقيقية.
وتقدم قواعد الإثبات التقليدية أساساً مهماً لهذه المعالجة، إذ إن جوهر مسألة المصادقة على الدليل الإلكتروني لا يقوم على افتراض أن كل ملف رقمي صحيح، وإنما على تقديم أدلة قادرة على دعم النتيجة التي تفيد بأن الشيء المعروض على المحكمة هو بالفعل ما يدعي مقدمه أنه عليه، وهذا المبدأ يظهر بصورة واضحة في القانون الكندي مثلاً، حيث تنص المادة 31.1 من قانون الإثبات الكندي على أن من يسعى إلى قبول وثيقة إلكترونية كدليل يتحمل عبء إثبات أصالتها بأدلة قادرة على دعم الاستنتاج بأنها الوثيقة التي يُدعى أنها كذلك.
وتكتسب هذه القاعدة أهمية أكبر في عصر التزييف العميق، لأن إثبات وجود ملف فيديو على جهاز أو منصة رقمية لا يساوي بالضرورة إثبات أن محتواه أصلي، فالمحكمة تحتاج إلى الفصل بين وجود الملف وبين صحة ما ينسبه إليه مقدمه، وقد يكون الملف حقيقياً من الناحية التقنية لكنه يحتوي على محتوى جرى تعديله، أو قد يكون نسخة من تسجيل أصلي فقد جزءاً من سياقه، أو قد يكون منتجاً اصطناعياً بالكامل، ولذلك ينبغي أن يصبح السؤال القضائي أكثر دقة، من أنشأ التسجيل، ومتى أنشئ، وما مصدره، وهل توجد نسخة أصلية منه، وهل تعرض للمعالجة، وهل تتوافق بياناته مع الأدلة المستقلة الأخرى، وهل يمكن لخبير متخصص تفسير سلسلة حيازته وطريقة انتقاله منذ لحظة إنشائه حتى تقديمه أمام المحكمة.
وتبرز هنا أهمية ما يعرف بسلسلة حيازة الدليل، لأن قيمة التسجيل الرقمي لا تتوقف على محتواه فقط، وإنما تمتد إلى الطريقة التي جرى بها الحصول عليه وحفظه ونقله وتقديمه، فإذا كان التسجيل قد مر عبر أجهزة متعددة أو منصات ضغط وإعادة تحميل أو عمليات تحرير، فإن المحكمة تحتاج إلى معرفة ما إذا كانت هذه العمليات قد غيرت المحتوى أو البيانات المرتبطة به، كما تحتاج إلى التمييز بين التعديل التقني الذي يحدث بصورة اعتيادية أثناء نقل الملفات وبين التلاعب المتعمد الذي يغير مضمون الواقعة محل الإثبات.
ولا يعني ذلك أن وجود بيانات وصفية للملف، مثل تاريخ الإنشاء أو نوع الجهاز المستخدم، يكفي وحده لإثبات أصالته، لأن البيانات الرقمية يمكن في بعض الحالات تعديلها أو فقدانها، كما أن غيابها لا يعني تلقائياً أن الفيديو مزيف، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها جزءاً من منظومة أدلة لا دليلاً نهائياً منفرداً، وقد تصبح المقارنة بين التسجيل ومصادر مستقلة أكثر أهمية من الاعتماد على خاصية تقنية واحدة، مثل مقارنة الفيديو بتسجيلات كاميرات أخرى في المكان نفسه أو بيانات الموقع أو سجلات الاتصالات أو شهادات الأشخاص الموجودين في المكان أو الصور الملتقطة في اللحظة ذاتها.
وتزداد أهمية الخبرة الفنية عندما يكون النزاع متعلقاً بتزييف عميق متقدم، لأن المحكمة ليست جهة تقنية متخصصة في تحليل النماذج التوليدية أو البصمات الرقمية، ولذلك يمكن أن تستعين بخبير لفحص الصوت والصورة والإطارات والتزامن بين حركة الشفاه والكلام والخصائص الرقمية للملف وآثار عمليات المعالجة، لكن الاستعانة بالخبير لا تعني أن رأيه يصبح بديلاً عن سلطة المحكمة، فالقاضي يبقى صاحب القرار في تقدير حجية الدليل، كما أن تقرير الخبير نفسه يجب أن يخضع للمناقشة والطعن، خصوصاً عندما تعتمد نتيجته على أدوات كشف تجارية أو نماذج ذكاء اصطناعي قد لا تكون آلية عملها قابلة للفحص الكامل.
وهذه النقطة تحديداً تكشف مفارقة خطيرة، فالذكاء الاصطناعي الذي ينتج الدليل المصطنع قد يصبح أيضاً الأداة المستخدمة للكشف عنه، ما يفتح سؤالاً قانونياً جديداً حول مدى إمكانية أن تبني المحكمة قرارها على نظام تقني آخر يقول إن الفيديو مزيف أو حقيقي من دون أن تكون آلية عمله قابلة للفهم والمراجعة، ولذلك فإن الاعتماد على أداة آلية للكشف عن التزييف ينبغي ألا يتحول إلى قرينة قاطعة، بل إلى عنصر من عناصر التقييم الفني والقضائي، خصوصاً في القضايا التي قد تؤدي نتيجتها إلى سلب الحرية أو فرض عقوبة جنائية.
ولا تقتصر المشكلة على مقاطع الفيديو التي تقدمها النيابة أو المدعي كأدلة على وقوع جريمة، بل تمتد إلى المواد التي يقدمها الضحايا أو أطراف الدعوى، وإلى المواد التي تنتشر أولاً على شبكات التواصل ثم تجد طريقها إلى قاعة المحكمة، وهو ما يجعل التحقق من المصدر والسياق أكثر أهمية، لأن مقطعاً حقيقياً يمكن أن يستخدم بصورة مضللة من خلال اقتطاعه من سياقه، كما يمكن لمقطع مصطنع أن يوضع داخل سياق واقعي ليبدو أكثر إقناعاً، وبالتالي فإن مفهوم التضليل لا ينحصر في تصنيع الصورة وإنما يشمل أيضاً طريقة تقديمها وتفسيرها.
وتفرض هذه التطورات حماية خاصة لحقوق الضحايا، ولا سيما عندما يستخدم التزييف العميق في التشهير أو الابتزاز أو انتحال الهوية أو إنشاء محتوى جنسي مصطنع، إذ يمكن أن يتسبب التسجيل المزيف في ضرر بالغ للسمعة والحياة الخاصة قبل أن تتاح للضحية فرصة الوصول إلى القضاء، كما أن سرعة انتشار المحتوى الرقمي تجعل التعويض المالي اللاحق غير كافٍ دائماً لجبر الضرر، وهو ما يطرح أهمية التدابير القضائية العاجلة لإيقاف النشر أو إزالة المحتوى عندما تتوافر شروطها القانونية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق الطرف الآخر في الاعتراض والدفاع.
وفي المقابل، فإن مواجهة التزييف العميق لا يمكن أن تتحول إلى مبرر قانوني مفتوح لحظر المحتوى الاصطناعي، لأن الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه في الفن والسخرية والصحافة والتعليم والمحاكاة السياسية، ولذلك يصبح التحدي هو التمييز بين الاستخدام المشروع للتقنية والاستخدام الذي يسبب ضرراً قانونياً، خصوصاً أن فرض حظر واسع قد يصطدم بحرية التعبير، بينما يؤدي التساهل الكامل إلى خلق بيئة يستطيع فيها أي شخص تصنيع دليل كاذب ثم استخدامه لتدمير سمعة شخص آخر أو التأثير في مسار قضية قضائية.
ويقدم التنظيم الأوروبي للذكاء الاصطناعي مثالاً مهماً على محاولة معالجة هذه المشكلة من زاوية الشفافية، إذ ينص الإطار الأوروبي في المادة 50 على التزامات تتعلق بالمحتوى الاصطناعي، ويشترط في حالات محددة أن تكون مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج الصوت أو الصور أو الفيديو أو النصوص الاصطناعية قابلة للكشف بوصفها مولدة أو معدلة اصطناعياً، كما يفرض على مستخدمي أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تنشئ أو تعدل محتوى يشكل تزييفاً عميقاً الإفصاح عن أن المحتوى جرى توليده أو تعديله بصورة اصطناعية، مع استثناءات وضوابط في بعض الاستخدامات، ومنها بعض الاستخدامات المرتبطة بإنفاذ القانون، وكذلك الأعمال الفنية أو الإبداعية أو الساخرة ضمن الشروط المحددة في النص.
لكن الشفافية وحدها لا تحل مشكلة الإثبات القضائي، لأن وضع علامة على المحتوى باعتباره مولداً بالذكاء الاصطناعي لا يثبت أن المحتوى كاذب، كما أن عدم وجود علامة لا يثبت أنه حقيقي، ولذلك يجب الفصل بين سؤال مصدر المحتوى وسؤال صحة مضمونه، فقد يكون فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي تمثيلاً مشروعاً لواقعة حقيقية أو إعادة بناء فنية لها، بينما قد يكون فيديو حقيقياً جرى استخدامه بطريقة كاذبة أو خارج سياقه.
وتتضح خطورة المسألة أكثر عندما ننتقل من مرحلة التحقيق إلى مرحلة الحكم، لأن تأثير الفيديو على الإنسان يختلف عن تأثير وثيقة مكتوبة، وقد تحمل الصورة والصوت والملامح تعبيراً عاطفياً قادراً على التأثير في القناعة بصورة مباشرة، وهو ما ظهر بصورة لافتة في قضية قضائية أميركية حديثة في أريزونا، حيث أبطلت محكمة الاستئناف حكماً بالسجن بعد استخدام فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يصور الضحية المتوفاة وهي تتحدث في مرحلة إصدار الحكم، واعتبرت المحكمة أن التسجيل لم يكن انعكاساً موثوقاً لأحداث حقيقية، كما أثار استخدامه مسائل تتعلق بحق الدفاع وإمكانية الرد على مضمون لم يصدر فعلياً عن الشخص المتوفى.
وتكشف هذه الواقعة أن مشكلة التزييف العميق لا تتعلق فقط بإمكانية أن يثبت الفيديو جريمة لم تقع، وإنما تمتد إلى إمكانية أن يؤثر محتوى اصطناعي في تقدير المحكمة للعقوبة أو الضرر أو شخصية الضحية أو المتهم، حتى عندما لا يقدم التسجيل بوصفه دليلاً مباشراً على وقوع الجريمة، وهو ما يوسع نطاق المسألة من “أصالة الدليل” إلى “سلامة العملية القضائية” برمتها.
ولهذا فإن القاعدة القانونية الأكثر أهمية في عصر التزييف العميق يجب ألا تكون أن الفيديو دليل صحيح حتى يثبت العكس، ولا أن الفيديو الرقمي دليل مشكوك فيه بطبيعته، وإنما أن قيمة التسجيل يجب أن تتحدد وفق مصدره وسلامته وسلسلة حيازته ونتائج فحصه وتوافقه مع الأدلة الأخرى والضمانات الإجرائية التي تتيح للطرف المتضرر الطعن فيه ومناقشته، لأن العدالة لا يمكن أن تقوم على ثقة عمياء في الصورة، كما لا يمكن أن تقوم على الشك المطلق في كل ما هو رقمي.
وفي النهاية، فإن التحدي الذي يواجه القانون ليس في اكتشاف أن الذكاء الاصطناعي يستطيع الكذب، فهذه الحقيقة أصبحت واضحة، وإنما في تحديد من يتحمل مخاطر هذا الكذب عندما يدخل إلى المحكمة، ومتى يكفي الطعن لإجبار مقدم الدليل على إثبات أصالته، وما مقدار الأدلة الفنية التي ينبغي أن تطلبها المحكمة، وكيف تحمي الضحية من انتشار محتوى مصطنع من دون أن تحول مكافحة التزييف إلى أداة لتقييد حرية التعبير، والأهم من ذلك كله هو أن تظل قرينة البراءة وحق الدفاع والمحاكمة العادلة قائمة في زمن أصبح فيه من الممكن أن يبدو الكذب أكثر واقعية من الحقيقة نفسها.
وتتجه المعركة القانونية المقبلة، لذلك، إلى ما هو أبعد من سؤال ما إذا كان الفيديو حقيقياً، لتصل إلى سؤال أكثر عمقاً، هل يمتلك القضاء الأدوات والمعايير التي تمكنه من معرفة ذلك، فإذا كانت التكنولوجيا قد جعلت صناعة الصورة الكاذبة سهلة، فإن مسؤولية القانون أصبحت أن يجعل إثبات الحقيقة أكثر صرامة وشفافية، لأن أخطر دليل مزيف ليس ذلك الذي يبدو مصطنعاً، وإنما ذلك الذي يدخل قاعة المحكمة وهو يحمل كل ملامح الحقيقة.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان/ مستشار قانوني وكاتب





