لقد كتبت كثيرا ، واقترحت كثيرا أن تقوم كل محافظة بعمل قائمة شرف تضع فيها أسماء من شاركوا في المحافظة في العبور . وان يحتفي بالأحياء منهم في مناسبات كل محافظة ، وأن يطلب منهم المرور علي المدارس والجامعات في إطار كل محافظة لإلقاء محاضرات عن حرب اكتوبر ..
وذلك وحده يقوي الانتماء لدي الأجيال الجديدة ، ويعطي أمثلة حية للقدوة الحسنة .. لا زلت اري ضرورة أن يتم ذلك حتي وان كان العدد الباقي علي قيد الحياة منهم قليل للغاية .
وتعد حرب الاستنزاف هي الحرب المنسية أو المسكوت عنها ، رغم أنها كانت – بحق- هي التمهيد الضروري للعبور ، فكانت تدريبا بالدماء والنيران ، وشهدت بطولات بلا حصر في ظل ظروف غاية في التعقيد ، فقد كان الطيران الأسرائيلي يضرب مواقعنا في الجبهة منذ أول ضوء وحتي آخر ضوء مستخدما كل أنواع القذائف المحرمة ، ومنها النابلم الحارق الذي كان يسيل مشتعلا بين الخنادق ويشتعل في أجساد الرجال ، وكانت قواتنا في تلك المرحلة الحاسمة قد انتقلت من وضع الدفاع البحت إلي وضع الدفاع النشط ، فكانت قواتنا تقوم بعبور قناة السويس بمجموعات صغيرة لتنفيذ عمليات محددة ثم تعود .. وكان لذلك اثرا معنويا هائلا علي قواتنا ، حيث اتضح لهم أن نكسة ٦٧ لم تكن بسبب براعة الجيش الإسرائيلي أو تخاذل الجيش المصري ، وإنما كانت هناك أسباب أخري لا شأن لجنودنا بها .
شهدت حرب الاستنزاف أيضا بطولات أخري لا يتذكرها أحد للقطاع المدني الذي قام ببناء قواعد الصواريخ تحت القصف الجوي المستمر العدو . واستشهد آلاف العمال والمهندسين أثناء ذلك .
لقد كنا في الجبهة نتزود بكل احتياجاتنا من غذاء وذخيرة وتموين ، ولا أبالغ اذا ذكرت أننا- وخصوصا في الصاعقة – كنا نأكل لحوما ودجاجا يوميا، وعندما ننزل الاجازة نجد المصريين يقفون في طوابير الجمعيات للحصول علي القليل من الغذاء ، لقد ربط المصريون علي بطونهم من أجل توفير احتياجات القوات المسلحة . وأتذكر أنني قبل العبور كنت أقول لرفاقي في الجبهة ، من يعيش منا بعد الحرب يجب أن يضع احذية اهلنا في مصر فوق رأسه جزاء وفاق لتضحياتهم من أجلنا.
معصوم مرزوق








