
عمّان، في 28 ديسمبر/ العمانية/ قال الناقد والشاعر المغربي د.صلاح بوسريف إن
الكتابات النظرية والنقدية تحتاج اليوم إلى مراجعات في المفاهيم والرؤى والتصورات،
خصوصاً ما يتصل منها بالشعر.
وأضاف في كتابه “شعرية الصمت” الصادر مؤخراً عن دار فضاءات، أن الكتابات في
هذا السياق بقيت عند مربّع نصوص السبعينات وما قبلها، وكأن لا شيء جوهرياً تغيّر في
الشعر، وكأن ما حدث من تحولات في تلك الحقبة من الزمن، هو نفسه ما يجري من
تحولات في الوضع الشعري الراهن.
وأكد بوسريف أن كثيراً من النقاد اكتفوا بحصر ما يقرأونه من شعر، في ذلك الزمن،
ولم يغادروا ماضيهم لينظروا فيما استجدّ من كتابات وتجارب في العقود اللاحقة، بما في
ذلك المقترحات النظرية التي حايثت بعض التجارب وواكبتها.
ودعا بوسريف في كتابه الذي يحمل عنواناً فرعياً هو “الأفق الشعري للكتابة”، إلى
إعادة قراءة الشعر في نصوصه، وفي تجاربه، وفي الأعمال الشعرية التي تشكل أفقَ
تجربة ذات ملامح واضحة، سواء من حيث الإنتاج، أو من حيث القيمة الإبداعية.
وأشار إلى أن من يتناولون الشعر اليوم يكتفون في الغالب بالأدوات والآليات والمفاهيم
نفسها المستخدمة في قراءة التجارب السابقة، وكأننا إزاء معيار جديد تضمره هذه
القراءات في ذهابها إلى الشعر، مثل معيار الموزون والنثري، والشعر واللاشعر، وهذا
“تعبير عن الوعي النقدي المحافظ، الذي اقتنع بالمكتسبات، أو ما عدّه مكتسبات”.
ورأى بوسريف أن هذا النمط لن يجد مَن يستمع إليه أو يتأمله ويقرأه، “لأنه يتحول بحكم
العادة إلى نظام يحكمُ الرؤيةَ والفهم، وهو ما تعمل المؤسسة على قبوله، بوصفه نظاماً
وطريقة في تصريف المعاني والأفكار”.
وأكد المؤلف أن الشعر اليوم هو غير شعر الرواد مثلاً، وأن البناء الفني اليوم هو
غير بناء الأمس، وأن المعمار الشعري ليس هو معمار “القصيدة”، موضحاً: “الثاني
مأهول ومسكون، والأول في طور البناء.. هو بداية دائمة، ومساحات الفراغ.. وما فيه
من تجويفات وبياضات أكثر مما فيه من امتلاء واكتظاظ”.
ورأى بوسريف أن هناك مسافة بين هذين المفهومين ينبغي أخذها في الحسبان قبل الحكم
والتصنيف واستنباط ما في المقترحات الشعرية المغايرة والجذرية من اختراقات، ليس
قياساً بما سبقها، بل بما حدث في الأعمال والتجارب من انتهاكات، ومن جرأة في توسيع
دوالّ الشعر، والخروج به من “القصيدة” إلى الكتابة، ومن الكلام إلى الصمت، ومن
هيمنة اللغة إلى حضور الدوالّ المحايثة لها، مثل الفراغات والبياضات، والأشكال
والرسوم.
وأوضح بوسريف أن ما يحدث في توزيع الدوالّ، وما تتبادله من مواقع، وغيرها من
العناصر البانية للنص، يتجلى فيها الوعي الكتابي، لا الإملائي الصوتي الذي هو من
صميم “القصيدة”، التي لم يتخلص السابقون من المعاصرين من هيمنتها على ثقافتهم
وتكوينهم، وعلى وعيهم الشعري الجمالي.
وأشار إلى إن طبيعة المدينة الحديثة، أجبرتنا على العيش في صخب الشوارع والأزقة
والفضاءات العامة التي لا مساحة فيها للصمت والفراغ، فانعكس هذا الوضع على كتابة
الرواية والقصة والمسرح، كما انعكس على الموسيقى التي صارت في أغلبها امتلاء
وأصواتاً عالية، لا مساحة فيها للصمت أو السكون.
وذهب بوسريف إلى أن الوجود على الأرض، لم يعد وجوداً بالصمت والفراغ. إذ فقدَ
الوجود صفاءه وانسجامه، وهيمنت الثرثرة والأصوات العالية الحادة والقاسية على السمع
والجسد، فأصيبت لغة الصمت بالتشوش والاضطراب، وتحولت إلى صخب وثرثرة
مجردة من أيّ حسّ إنساني وعاطفي، وغدت محض أصوات قاسية خالية من الحياة، لأنها
فقدت الصمت الذي يمنحها الحياة.
/العمانية /174






