توقفنا في الحلقتين الماضيتين عند المعرفة والتعارف، ونتوقف اليوم عند الاعتراف، فالمعرفة والتعارف والاعتراف ثلاث حلقات مهمة متواصلة، فالمعرفة ثمرة للعلم، والتعارف مفتاح لمعرفة أحوال الناس وما لديهم من إمكانيات متعددة، والاعتراف سعي إلى الاعتراف بما أعطانا الله واعتراف بما عند الآخرين.
وتجدر الإشارة إلى أن على المسلم الاعتراف أولا بنعم الله تعالى عليه، والتي لا تعد ولا تحصى، ولا تحد ولا تستقصى، والاعتراف الحق بذلك يستدعي من العبد شكر هذه النعم باستثمارها في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والعمل وفق التوجيه الرباني في القرآن الكريم والوارد في سنته عليه الصلاة والسلام.
ويأتي ثانيا الاعتراف بما عند الآخرين من العلم والقدرات التي أعطاهم الله تعالى، فيسعى جاهدا إلى الاستفادة من الآخرين في جميع مجالات العلم والمعرفة.
ومن هنا كان لهذا الكلمات الثلاث صدى وأهمية كبيرة في حياة المؤمنين المتقين، حيث أنها منهج يحفظ للمجتمع الإسلامي تماسكه، ويجعلها قويا في وجه أعداء الدين، وقد عبّر عنها الشيخ علي يحيى معمّر رحمه الله تعالى ورضي عنه في كتابه (الإباضية بين الفرق الإسلامية )، فقال متحدثا عن المذهبية : إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة، ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف ، فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ، ولماذا يتمسكون به . وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات ، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر يرضى ، ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه ( اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ ) وفي ظل الأخوة والسماح تغيب التحديات ، وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنة ، غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبا أو اعتنقت مذهباً، ولن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد لا مزية لأحدهم على الآخرين إلا بمقدار ما قدم من عمل خالص.
فالحمد لله على نعمة الإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه الكرام، وعنا معهم إلى يوم القيام.
والاعتراف يا أخا الإسلام
بما قضى الله من الأحكام
بما به أكرمنا من النعم
أولها أوجدنا من العدم
أكرمنا بالدين والإيمان
كرمنا نحن بنو الإنسان
والاعتراف يقتضي أن نعترف
بعلم غيرنا وما به وُصِف
وليس معنى ذاك أن نسلما
له لما يقول حتى نفهما
والحل حين يلج الخلاف
معرفة تعارفُ اعتراف
ذا منهج ينير درب الناس
يحفظهم من الشقا والباس
اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وصالحات أعمالنا واغفر لنا ولجميع المسلمين .
اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل والخلاص في الدنيا والآخرة .
آمين يا رب العالمين.
١٨ رمضان ١٤٤٣هـ
٢٠ إبريل ٢٠٢٢م
بقلم محبكم /
د.صالح بن خلفان بن محمد البراشدي








