سليل أسرة اشتهرت بالعلم والتدين، وكان أبوه من العلماء الصالحين ذوي المكانة العلمية الرفيعة التي جعلت بعض أبناء العلماء والوجهاء يتلقون العلم على يديه، تعددت مؤلفاته وتنوعت حتى وصلت إلى 600 مؤلف، فكأن الله عز وجل زرع فيه موهبة حب الدين، وحب القرآن، ابتدأ حياته به حفظا ودراسة، كما ابتدأ حياته العلمية وعطاءه بالتأليف عنه، ثم توالى تأليفه وتجميعه لعلومه، بعقليته الخصبة، وأفقه الواسع، وقد كان علم التفسير من العلوم التي توسع فيه ادراكه، واستبحرت ملكاته.
إن ما أنجزته شخصية اليوم من مؤلفات تعجز اليوم عن إنجازه مؤسسات ومراكز بحوث، ولا شك أن توفيق الله تبارك وتعالى، كان فوق الأسباب جمعيها التي هيأت لهذه الشخصية تأليف أكثر من خمسمئة كتاب، في التفسير والفقه والحديث والأصول والنحو والبلاغة والتاريخ والأدب، الإمام جلال الدين السيوطي، العالم المصري الذي بحق هو “أسطورة”.
جلال الدين السيوطي هو الإمام الموسوعي، بحر العلوم، الذي لقّبه كثيرون بأنه وارث علوم الأنبياء، لكثرة مؤلفاته التي تخطت الـ 600 مؤلَف، هذا العالم يجوز أن تقول إنه كان غابةً لا ترى بدايتها من نهايتها، بحراً لا تدرك ساحله يمينه من شماله، ولكثرة مصنفاته، قيل عنه إنه أعلم أهل الأرض في علم الحديث، وكل العلوم التي برع فيها، هذا النبوغ له حكاية، لقد نشأ السيوطي يتيماً، وحفظ القرآن الكريم وأتمه وهو في الثامنة من عمره، وزاد من اتساع مداركه وزيادة معارفه، اتجاهه إلى كتب العلوم بأنواعها، فحفظ بعض الكتب المهمة، كان أبرزها “ألفية بن مالك” و”العمدة” وغيرها.
جلال الدين السيوطي هو الإمام الحافظ أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي، عالم موسوعي في التفسير والحديث واللغة والأدب والفقه وغيرها، (894 هـ – 911 هـ)، ونسب إلى أسيوط لكونها بلدة أبيه التي رحل منها إلى القاهرة، جلال الدين الأسيوطي رحل إلى طلب العلم في الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب، ثم عاد إلى مصر واستقر بها وتولى عدة مناصب، ولما بلغ الأربعين، اعتزل في منزله وعكف على التصنيف، لميزته بسعة حفظه وكثرة تأليفه وابتعاده عن السلاطين وأرباب الدولة، ومن أشهر مؤلفاته “تفسير الجلالين” الذي لم ينهيه حيث وصل فقط حتى سورة الإسراء وأتمه جلال الدين المحلي، والذي كان قد فسر من سورة الكهف حتى الناس، إضافة إلى الفاتحة، فأتمه بعد وفاة السيوطي، ولهذا حمل هذا الكتاب اسم “تفسير الجلالين”، و”جمع الجوامع” المعروف بـ “الجامع الكبير”، و”الإتقان في علوم القرآن”، و”بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة”، و”المزهر في علوم اللغة وأنواعها”، الذي تحدث فيه عن علوم اللغة وأنواعها وشروط أدائها وسماعها، وقد حاك فيه علوم الحديث في التقاسيم والأنواع، وأتى فيه بعجائب وغرائب حسنة الإبداع بأسلوب فريد لم يسبقه أحد فيه، قال تبارك وتعالى: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، كما لقبه العلماء بـ “خزانة العلم” لكثرة العلوم التي أجادها، لا عجب في ذلك فوالده كان عالماً كبيراً وكذلك جده لأبيه، رغم أنه فارق والده وهو فقط في عمر السادسة، لكن من كفله من بعده أصدقاء والده من العلماء الأفاضل، لقد بدأ الكتابة منذ أن كان عمره 17 عاماً إلى وفاته بعمر الـ 61 عاماً، وقيل عن الشيخ أيضاً أنه كثير الاطلاع “بقية السلف وعمدة الخلف”، وهذا القول يعود للمؤرخ المصري الكبير في العهد المملوكي (زين العابدين محمد بن أحمد المعروف بـ بن إياس الحنفي) الذي كان من تلامذة الشيخ السيوطي، وقال العلماء عنه بأنه “فخر المتأخرين” و”علم من أعلام الدين” و”خاتمة الحفّاظ”، حتى السيوطي قال عن نفسه: “رزقت التبحر في سبعة علوم، التفسير والحديث والفقه والجدل والنحو والمعاني والبيان والبديع”.
الإمام السيوطي من أتقن من كتب في القواعد، نجد هذا الإتقان في مؤلفه “الأشباه والنظائر في النحو”، هذا الكتاب يصلح للقراءة والبحث والتدريس، ومما منّ الله تعالى به عليه، أنه كان أميناً للمكتبة المحمودية (نسيةً إلى السلطان محمود آنذاك)، وهذا الأمر ساهم في توسع الاطلاع أكثر من أهل عصره وكثرة التدقيق، وهو بعمر الثلاث سنوات كان قد حصل على إجازة من الإمام بن حجر العسقلاني، فحمله الإمام العسقلاني ودعا له وأجازه، وهذه الإجازة تسمّى بالإجازة العامة أي أن هذا العلم موروث ومنقول بحلقات متصلة، تحافظ على سند لا انقطاع فيه، وهذا ما يُسمى “علم الرجال” الذي جئنا على تفصيله في موضوعاتٍ سابقة، كما منّ الله تعالى على جلال الدين السيوطي أن أعطاه قوة التوثيق وهذا امر مهم خاصة من أعداء الإسلام الذين دائماً ما يشككوا في هذا التوثيق، فكل ما جاء به الإمام السيوطي له سند، بالتالي هذا الأمر قضى على محاولات التدليس على هذا السند أو ذاك، فالقرآن الكريم الذي نقرأه اليوم، هو نفسه الذي كان يُقرأ منذ أكثر من 14 قرناً، بالتالي نُقل إلينا هذا الدين بالسند توثيقاً وبركة، وعند وفاة والد السيوطي كفله بوصية بطلب من الأب “الكمال بن الهمام”، وعاش من عمر الـ 6 سنوات السيوطي في كنفه ورعايته، وإلى قبل سن العشرين عاماً كان جلال الدين السيوطي مطلع على علوم واسعة في فقه اللغة والنحو والصرف ورجال النحو، واللغة، وهذا هو التوثيق أن يشرب هذا العلم من بدايته إلى نهايته، ومن هنا جاء كتابه “المزهر في فقه اللغة” و”الأشباه والنظائر” و”بغية الوعاة في تراجم الرواة”.
كل هذا العلم كان في القرن التاسع الهجري، وبعد وفاة الإمام السيوطي بـ “14” عاماً دخل العثمانيون مصر، ولم يكن قبل ذلك هناك فصل بين السيدات والرجال، حتى دخول العثمانيين تغير هذا الواقع، وقد جئت على هذا التوضيح لأن السيوطي كان يجالس سيدات لتلقي العلم، فللسيوطي في إجازاته له أكثر من 50 امرأة، تعلم منهن، حتى الإمام أبو حجر العسقلاني كان به 52 أستاذة سيدة، وهذا يبين دور المرأة في الإسلام قديماً على عكس ما يُشاع من حرمانها من العلوم على أنواعها، ومن أستاذات السيوطي، آسية بنت جار الله بن صالح، كمالية بنت محمد الهاشمية، أم الفضل بنت محمد المقدسي، وغيرهن الكثير.
إذاً، وكما أشرنا أنفاً، بأن الإمام السيوطي كان يوصف بأنه وارث علوم الأنبياء، تبحر في أكثر من سبعة علوم، من بينها الطب أيضاً، وكان البعض يتهمه بأن بعضاً من كتاباته (مقتبسة)، من الكتب والمؤلفات القديمة، وبحسب كتب التاريخ أن هذه الاتهامات وجّهت للسيوطي في حياته، وبالطبع يعود ذلك لكثرة مؤلفاته ففي سن السابعة عشر كان لديه عدداً من المجلدات وهذا أمر في زمانه غير معتاد، خاصة وأنه كان كما ذكرناً اميناً في المكتبة المحمودية، وللرد على هذه الاتهامات، ألّف السيوطي كتاباً وسمّاه “الفارق بين المؤلف والسارق”، حيث يبين أن غرض التأليف على سبيل المثال “جمع ما تفرّق” وهذا ليس بسرقة.
كان السيوطي من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، حيث ملأ نشاطه العلمي في التأليف مختلف الفروع في ذلك الزمان من تفسير وحديث وفقه وتاريخ وطبقات ونحو ولغة وأدب وغيرها، فقد كان موسوعي الثقافة والاطلاع، الإمام السيوطي كان شاذلياً وشافعياً وأشعرياً، فكان له كتاب اسمه “تأييد الحقيقة العلية بتأييد الطريقة الشاذلية”، فتجده أنه كان مؤيداً للتصوف، وحتى في الرد على “ابن عربي” ألف كتاب أسماه “تنبيه غبي في تبرئة ابن عربي”، وكذلك حول ابن الفارض، ألف كتاب أسماه “الرد على المعارض لابن الفارض”، هذا يعني أن الإمام جلال الدين السيوطي كان حاضراً دائماً لتصحيح المفاهيم ولتعليم الناس دينهم اعتماداً على الدليل والمصلحة والمقصد الشرعي وعلى المآلات ومراعاتها، أما الحديث وعلومه، فكان السيوطي يحفظ مائتي ألف حديث كما روى عن نفسه، وكان مغرماً بجمع الحديث واستقصائه لذلك ألف عشرات الكتب في هذا المجال، يشتمل الواحد منها على بضعة أجزاء، وفي أحيان أخرى لا يزيد عن بضع صفحات، ومن كتبه: “إسعاف المبطأ في رجال الموطأ”، و” تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك”، و” جمع الجوامع”، و” الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة”، و”المنتقى من شعب الإيمان للبيهقي”، و”أسماء المدلسين”، و”آداب الفتيا”، و”طبقات الحفاظ”، وفي الفقه ألف “الأشباه والنظائر في فقه الإمام الشافعي”، و”الحاوي في الفتاوي”، و”الجامع في الفرائض” و”تشنيف الأسماع بمسائل الإجماع” وفي اللغة وعلومها كان له فيها أكثر من مائة كتاب ورسالة منها: “المزهر في اللغة”، و”الأشباه والنظائر في اللغة”، و”الاقتراح في النحو”، و”التوشيح على التوضيح”، و”المهذب فيما ورد في القرآن من المعرب”، و”البهجة المرضية في شرح ألفية ابن مالك”، وفي ميدان البديع كان له: “عقود الجمان في علم المعاني والبيان”، و”الجمع والتفريق في شرح النظم البديع”، و”فتح الجليل للعبد الذليل”، وفي التاريخ والطبقات ألف أكثر من (55) كتاباً ورسالة يأتي في مقدمتها: “حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة”، و”تاريخ الخلفاء”، و”الشماريخ في علم التاريخ”، و”تاريخ الملك الأشرف قايتباي”، و”عين الإصابة في معرفة الصحابة”، و”بغية الوعاة في طبقات النحاة”، و”نظم العقيان في أعيان الأعيان”، و”در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة”، و”طبقات الأصوليين”. ومن مؤلفاته الأخرى الطريفة: “منهل اللطايف في الكنافة والقطايف”، و”الرحمة في الطب والحكمة”، و”الفارق بين المؤلف والسارق”، و”الفتاش على القشاش”، و”الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض”. شاءت إرادة الله أن تحتفظ المكتبة العربية والإسلامية بأغلب تراث الإمام السيوطي، وأن تطبع غالبية كتبه القيمة وينهل من علمه الكثيرون.
هذا الامام الحافظ المسند المحقق، صاحب المؤلفات الفائقة أخذ الفقه عن الشيخ سراج الدين البلقيني، وكان يلازم كل أستاذ حتى وفاته، ثم علم الدين البلقيني، وأخذ الفرائض عن الشيخ شهاب الدين الشارماحي، ولزم في العلوم العربية والحديث تقي الدين الشمني الحنفي، ولازم الشيخ محيي الدين محمد بن سليمان الرومي الحنفي أربع عشرة سنة، فأخذ عنه التفسير والأصول العربية وعلوم المعاني، وأخذ عن جلال الدين المحلي، وعن المعز الكناني احمد بن إبراهيم الحنبلي، وأخذ عن المجد بن السباع وعبدالعزيز الوقائي الميقات، وأخذ الطب عن محمد بن إبراهيم الدواني الرومي، وقد روى الشعراني أن شيوخه الذين أخذ عنهم وصل عددهم إلى ستمئة شيخ، وقسمهم إلى طبقات، وعرف السيوطي بشجاعته الأدبية، وقوته في التزامه بإقامة أحكام الشريعة الاسلامية دون مجاملة من أحد أو لأحد، فلم يخش في الحق لومة لائم، فقد تصدى للإفتاء وشؤون القضاء، فحرص على إقامة الحدود وتطبيق الأحكام دون اكتراث بغضب أمير أو سلطان، وجر ذلك السلوك عليه الكثير من المضايقات ذكرها في رسالته “الاستنصار بالواحد القهار”.
أما تلامذته منهم شمس الدين الداودي صاحب كتاب (طبقات المفسرين) الذي كتبه بمساعدة أستاذه السيوطي، وشمس الدين بن طولون صاحب كتاب (مفاكهة الخلان)، و(شمس الدين الشامي) صاحب كتاب (السيرة الشامية)، والمؤرخ الكبير (ابن إياس) صاحب كتاب (بدائع الزهور).
هذه الشخصية الكبيرة التي وضعت لها استراتيجية خاصة بها وأهدافاً حققتها، على مدى حياة الإمام السيوطي، فكان ينقب في المعلومة حتى يعود بها إلى أصلها الكامل، على عكس كتّاب اليوم، فلكل كتاب عن الإمام قصة وحكاية وهدف والهدف الأسمى أنه لخدمة الجميع لا طمعاً بجاه أو سلطان، فعلوم السيوطي محال إجماع العلماء في عصره وحتى اليوم، فهو مبتكر ومجدد ومؤسس ليس بنظرية أو علم محدد بل العلم ذاته كان موجوداً أضاف بصمته الخاصة من خلال ابتكاراته المميزة التي ترجمها في مؤلفات قيمتها أكبر بكثير من عددها، حيث خالف المألوف في علمه هذا، من خلال تفكيره بطريقة مختلفة عن الآخرين، وكشف ذلك يتم من خلال قراءة المقدمات التي لطالما أنصح من يريد الإبحار في علوم العظماء وعطاءاتهم الكثيرة التي كانت تنم عن علم واطلاع واسع لا عن جهل كما حال أمتنا اليوم، أن يقرأوا المقدمات فعندما نفهم كيف كان يفكر الإمام السيوطي حينها نشرب علومه بسهولة منقطعة النظير، فلقد عاش في مصر أرض الصالحين وشرب ماؤها وحصل على بركتها وتبوأ مقعداً له بين كبار المؤلفين الإسلاميين، لم يُنسى اسمه ولم يخفيه التاريخ، بل لا يزال قبره موجوداً وقِبلةً للزائرين.
كان الإمام السيوطي كثيراً ما يردد شكر الله عز وجل على نعمة العلم والمعرفة، وقد سجل ذلك في ترجمته لنفسه فقال: وقد كمل عندي الآن الجهاد بحمد الله تعالى، وأقول ذلك تحدثاً بنعمة الله تعالى لا فخراً، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر، حيث رحل هذا العالم الجليل في العام (911 هـ) حيث مالت الشمس للمغيب، ورفعت إحدى سفن الأبدية مراسيها، مبحرة إلى العالم الآخر والرفيق الأعلى.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








