لا شك بأن جرم السرقة (بشع) بكافة أشكاله (المادية والمعنوية)، وقد اختلفت أشكال وأنواع السرقة مع تطور العصر الحديث ربطاً مع استخدامات التكنولوجيا فيها، كما في سرقة البنوك، والقرصنة الإلكترونية، كذلك سرقة حقوق الملكية الفكرية والكثير غير ذلك، لكن ما هو حكم السرقة في القانون الوضعي وفي الشريعة الإسلامية؟ وكيف تطورت العقوبة الرادعة لمنع هذه الجريمة؟
من المعروف أن عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية، هي القطع، قال تبارك وتعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، رغم جسامة هذه العقوبة لكن السرقة لم تتوقف، وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ويريد أن ينميه من طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله فيطمع في ثمرة عمل غيره، وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور أو ليرتاح من عناء الكد والعمل أو ليأمن على مستقبله, فالدافع الذي يدفع إلى السرقة يرجع إلى هذه الاعتبارات وهو زيادة الكسب أو زيادة الثراء، وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع؛ لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب إذ اليد والرجل كلاهما أداة علة أياً كان, ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء, وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور, ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل والتخوف الشديد على المستقبل.
الشريعة الإسلامية بتقديرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة, فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارمة فلا يعود للجريمة مرة ثانية.
ذلك هو أساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية, وإنه خير أساس قامت عليه عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن، وإنه السر في نجاح عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية قديماً, وهو السر الذي جعلها تنجح نجاحاً باهراً في الحجاز في عصرنا هذا فتحوله من بلد كله فساد واضطراب ونهب وسرقات إلى بلد كله نظام وسلام وأمن وأمان. لقد كان الحجاز قبل أن تطبق في الشريعة الإسلامية أخيراً أسوأ بلاد العالم أمناً, فكان المسافر إليه أو المقيم فيه لا يأمن على نفسه وماله وعياله ساعة من ليل بل ساعة من نهار بالرغم مما له من قوة وما معه من عدة, وكان معظم السكان لصوصاً وقطاعاً للطرق, فلما طبقت الشريعة أصبح الحجاز خير بلاد العالم كله أمناً, يأمن فيه المسافر والمقيم, وتترك فيه الأموال على الطريق حتى تأتي الشرطة فيحملونها إلى حيث يقيم صاحبها.
أما عقوبة السرقة في القانون الوضعي، تجعل القوانين عقوبة السرقة، “السجن” وهي عقوبة قد أخفقت في محاربة الجريمة على العموم والسرقة على الخصوص, والعلة في هذا الإخفاق أن عقوبة السجن لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية التي تصرفه عن جريمة السرقة؛ لأن عقوبة السجن لا تحول بين السارق وبين العمل والكسب إلا مدة السجن, وما حاجته إلى الكسب في السجن وهو موفر الطلبات مكفي الحاجات؟ فإذا خرج من سجنه استطاع أن يعمل وأن يكسب وكان لديه أوسع الفرص لأن يزيد من كسبه وينمي ثروته من طريق الحلال والحرام على السواء, واستطاع أن يخدع الناس وأن يظهر أمامهم بمظهر الشريف فيأمنوا جانبه ويتعاونوا معه, فإن وصل في الخاتمة إلى ما يبغي فذلك هو الذي أراد, وإن لم يصل إلى بغيته فإنه لم يخسر شيئاً ولم تفته منفعة ذات بال.
لكن في العصر الحديث، عقوبة القطع لا تتوافق مع ما وصلت إليه الإنسانية والمدنية في عصرنا الحاضر، فقد خرجت أصوات معارضة كثيرة لهذا الأمر، فمن جهة عدم القطع لا تؤدب السارق أو تردعه، وقطع اليد أيضاً لا يمكن تقبله في الوقت الحالي رغم أن الشريعة أيدته وفرضته وطبقته، وإذا كانت العقوبة الصالحة حقاً هي التي تتفق مع المدينة والإنسانية، فإن عقوبة السجن هي من علم النفس وطبائع البشر وتجارب الأمم ومنطق العقول والأشياء, وهي نفس الأسس التي تقوم عليها المدنية والإنسانية, أما عقوبة الحبس فلا تقوم على أساس من العلم ولا التجربة ولا تتفق مع منطق العقول ولا طبائع الأشياء، وإن أساس عقوبة القطع هو دراسة نفسية الإنسان, فهي إذن عقوبة ملائمة للأفراد, وهي في الوقت ذاته صالحة للجماعة؛ لأنها تؤدي إلى تقليل الجرائم وتأمين المجتمع, وما دامت العقوبة ملائمة للفرد وصالحة للجماعة فهي أفضل العقوبات وأعدلها، وهذا من منطلق شرعي، لكن لمواكبة الحاضر والعصر الحديث، هنا يأتي دور الهيئات الدينية للنظر في هذه المسألة من خلال إصدار حكم شرعي بعيد عن القطع لكنه رادع كما هو، وهذا يكون عبر لجان متخصصة في الدراسات الإسلامية والقانونية معاً للوصول إلى نتيجة منصفة تمكن من العقوبة على هذه الجريمة دونما مسألة القطع، في حين يرى البعض أن القطع هو الحل الأنجع للعقوبة وحل رادع يحمي المجتمع ويؤدب السارق ويكون عبرة لكل من تسول له نفسه ارتكاب هكذا جرم.
ولكن ذلك كله لا يكفي عند بعض الناس لتبرير عقوبة القطع؛ لأنهم يرونها عقوبة موسومة بالقسوة, لكن اسم العقوبة مشتق من العقاب ولا يكون العقاب عقاباً إذا كان موسوماً بالرخاوة والضعف, بل يكون لعباً أو عبثاً أو شيئاً قريباً من هذا, فالقسوة لابد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم، وهنا موضع خلافي بين من يؤيد ومن يعارض، وكما أشرت أعلاه للبت في هذا الأمر لا بد من لجان متخصصة تقر عقوبة رادعة أقل حدة لكنها رادعة وهذا لا يتحقق إن لم يجلس جميع المتخصصين شرعياً وقانونياً للبت في هذا الأمر وحسمه، فكما يبيح القانون عقوبة السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة هي أيضاً عقوبة لا إنسانية، كذلك عقوبة الإعدام، والشريعة الإسلامية حين قررت عقوبة القطع لم تكن قاسية, وهي الشريعة الوحيدة في العالم التي لا تعرف القسوة، وما يراه البعض قسوة إنما هو القوة والحسم اللذان تمتاز بهما الشريعة يتمثلان في العقوبة كما في العقيدة وفي العبادات وفي الحقوق وفي الواجبات, ولعل لفظ الرحمة ومشتقاته أكثر الألفاظ وروداً في القرآن الكريم.
أخيراً، إن الشريعة الإسلامية لتلزم المسلم أن لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك ولا يسكن ولا يعمل ولا يتعبد ولا ينام ولا يستيقظ حتى يذكر اسم الله الرحمن الرحيم, فإذا ذكرنا الرحمة وتأثر بها في قوله وفعله, والرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – يقول: “الراحمون يرحمهم الرحمن”، ويقول: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”, فالرحمة أساس من أسس الشريعة الأولية, والشريعة هذا شأنها لا يمكن أن تعرف للقسوة سبيلاً، ما يعني أن قطع يد السارق عقوبة رحيمة في عصور سابقة، لكن في العصر الحديث لا بد من التخفيف من حدتها مع الإبقاء على روح الشريعة حاضرة في تقرير العقوبة تكون مقبولة إنسانياً لكنها رادعة وبشكل حازم.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان
المصادر:
- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي – مكتبة فكر.







