د.صالح بن عبدالله الخمياسي
ونحن على مقاعد الدراسة، ومنذ بواكير عهدنا بها، ألفت آذاننا وصدحت حناجرنا ببيت لأمير الشعراء أحمد شوقي، قال فيه: وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنه
نازعتني إليه في الخُلدِ نفسي.
ولعلنا كنا نردد ذلك البيت الذي جسّد قيمة الوطن، دون أن نعي آنذاك ما يختزنه من معانٍ نبيلة، ورسائل هادفة، وقيم عظيمة، تُجذّر الحس الوطني في النفوس، وتجعل الأوطان تتربع في سويداء القلوب كبرنا، وتجذر حب الوطن في أعماقنا، وبات الانتماء إليه مصدر فخر واعتزاز. وأصبحنا نترجم قيمه المستمدة من نبع ديننا الصافي، وإرثنا العريق، وثقافتنا التي حملت ثراءً وتنوعًا وتعددًا في الرؤى، يجمعها جميعًا قاسم مشترك لا مساومة عليه، ألا وهو حب الوطن.
هكذا نشأنا، وهكذا حملنا مشعل الولاء والانتماء، وورثناه للناشئة، وغرسنا في نفوسهم حب الأوطان، ليبقى الوطن حيًا في القلوب جيلاً بعد جيل. ومع تطور الحياة وتعاظم أواصر الأخوة، بتنا أسرةً خليجيةً واحدة، نؤمن بأن مصيرنا واحد، وشعبنا واحد، ونردد بكل فخر:
مصيرنا واحد… وشعبنا واحد
يعيش يعيش فليعش… الله أكبر يا خليج ضمّنا، الله أكبر.
ثم اتسع شعور الانتماء ليشمل وطننا العربي الكبير، فأخذنا ننشد ونردد:
بلادُ العُربِ أوطاني
منَ الشّامِ لبغدانِ
ومن نجدٍ إلى يَمَنٍ
إلى مِصرَ فتطوانِ.
هكذا هو حب الوطن؛ قيمةٌ عظيمة، وقوةٌ تشد الإنسان إلى الارتباط بوطنه، فهو محور الارتكاز ونقطة الانطلاق لذلك الحب الكبير. فالوطن الأم هو مسقط الرأس، ومهد الصبا، ومنبع الذكريات الأولى، ولذلك قال الشاعر:
كم منزلٍ في الأرضِ يألفُه الفتى
وحنينُه أبداً لأولِ منزلِ.
ومن أجمل ما يجسد عمق الانتماء للوطن وصدق محبته لوحات الأوبريت الوطني لدولة الكويت العزيزة على قلوبنا، الذي حمل عنوان” ديرة الخير”، وهي بحق ديرة له. لقد عكس الأوبريت صورةً مشرقة لمسيرة دولة الكويت الحبيبة على قلوبنا وعراقتها الممتدة بين الماضي والحاضر، وجسّد قيمها الإنسانية النبيلة، وحمل نكهة الكويت الأصيلة، وطيبة أهلها، وعمق ثقافة القائمين على العمل، وحرصهم على تجويد هذا العمل الأدبي والفني وإتقانه، حتى حظي بإعجاب واسع على مستوى الوطن العربي.
ومن بين تلك اللوحات التي استوقفتني مليًّا لوحة “وطن باقي”، التي كُتب لها النجاح منذ اختيار عنوانها، وبساطة كلماتها، وعذوبة أدائها، وعمق معانيها؛ وهي معانٍ نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى ترسيخها في نفوس الناشئة، لتكون حصنًا يحميهم من السموم الفكرية التي تُروَّج لهم في قوالب براقة، يدس فيها السم مع العسل. سموم تهدف إلى زعزعة ولائهم لأوطانهم، وإضعاف محبتهم لأهلهم، وفك ارتباطهم بتراب بلادهم، وتقليل استعدادهم للذود عنها.
وقد تمثلت كلمات لوحة “وطن باقي” في الأبيات الآتية:
القلب عينه ما غفت للدار مشتاقي
أسابق الخطوة لها ولهان ألاقيها
حضرت أبيات الشعر حضرت أوراقي
حالف إني بشوفتك يا دار أغنيها
الله يا كبر الفرح في داخل أعماقي
يا سعد عيني فرحتي ما شي يساويها
حنا عطورك كلنا وإنت وطن باقي
يا أرض نتشقق لها وحنا بأراضيها
يا دارنا إنت المطر وإنت لنا الساقي
تفداك روحي من عطر ترابك أرويها
يا دنيتي يا جنتي يا حضني وأشواقي
يا رب تحفظ دارنا ولنا تخليها
يا لها من كلمات بسيطة وشفافة، تصل إلى القلب منذ الوهلة الأولى لسماعها، فلا يملك المستمع إلا أن يرددها، ويغوص في ما تحمله من معانٍ جميلة، ورسائل سامية، وقيم نبيلة.
يقول الشاعر:
القلب عينه ما غفت للدار مشتاقي
أسابق الخطوة لها ولهان ألاقيها
حضرت أبيات الشعر حضرت أوراقي
حالف إني بشوفتك يا دار أغنيها
تستهل هذه اللوحة مشهدها بالتأكيد على أن القلب، مهما باعدت بينه وبين وطنه المسافات، يظل نابضًا بالشوق، متقدًا بالحنين، لا يغفل عن الدار ولا ينقطع عنها وجدانه، بل يظل يتوق إلى اللحظة التي يعانق فيها ثراها. ولم يكتف الشاعر بتصوير الشوق، بل هيأ نفسه لذلك اللقاء؛ فأعد أبيات الشعر، وجهز الأوراق التي ستُسطر عليها الكلمات، وأقسم أن يغني لوطنه بمجرد أن تقع عيناه عليه، وكأن القصيدة كانت تنتظر لحظة اللقاء لتولد.
ثم يواصل الشاعر تغنيه بوطنه الذي لا يضاهيه في قلبه حب، فيقول:
الله يا كبر الفرح في داخل أعماقي
يا سعد عيني فرحتي ما شي يساويها
حنا عطورك كلنا وإنت وطن باقي
يا أرض نتشقق لها وحنا بأراضيها
هنا يفصح الشاعر عن فيض الفرح الذي اجتاح أعماقه، ويصور السعادة التي تغمره كلما عاد إلى وطنه، فهي فرحة لا يضاهيها شيء، ولا يمكن أن تعادلها أي متعة أخرى. ثم ينتقل إلى صورة بديعة، حين يجعل أبناء الوطن عطرًا يفوح من تربته، وكأنهم امتداد لأرضه وجزء من عبقها، بينما يبقى الوطن خالدًا باقيًا، يمنح أبناءه الهوية والانتماء. ويبلغ الحب ذروته حين يقول: يا أرض نتشقق لها وحنا بأراضيها، فيصور شوقًا لا يخبو، حتى وإن كان الإنسان يعيش فوق أرض وطنه؛ فحب الوطن لا يشبعه القرب، ولا يطفئه اللقاء، بل يزداد رسوخًا مع الأيام.
ويستطرد الشاعر في هيامه بوطنه، فيقول:
يا دارنا إنت المطر وإنت لنا الساقي
تفداك روحي من عطر ترابك أرويها
يا دنيتي يا جنتي يا حضني وأشواقي
يا رب تحفظ دارنا ولنا تخليها
وفي هذه الأبيات تسمو النبرة الشعرية إلى مرتبة الدعاء والوفاء. فالدار هي المطر الذي يحيي الأرض، والساقي الذي يروي الأرواح قبل الأجساد، وهي الدنيا التي تحتضن الإنسان، والجنة التي يجد فيها سكينته، والحضن الدافئ الذي يمنحه الأمن والاستقرار. لذلك لا يرى الشاعر ما يضاهي وطنه مكانة، بل يعلن استعداده لأن يفديه بروحه، تعبيرًا عن أسمى درجات الوفاء والانتماء. ويختتم الشاعر لوحته بالدعاء بأن يحفظ الله الوطن، ويكلأه بعنايته، ويديم عليه نعمة الأمن والسلام والاستقرار، لتبقى ديرة الخير كما عهدها أهلها: وطنًا يحتضن أبناءه، ويستحق منهم كل حب ووفاء.
من هنا نجد أن لوحة وطن باقي تُعد إحدى أبرز لوحات الأوبريت الوطني الرائع ديرة الخير، الذي قُدم على مسرح قصر بيان تحت رعاية وحضور سمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وبحضور سمو ولي العهد، ورئيس مجلس الوزراء، وكبار المسؤولين، في مشهد جسّد أسمى صور التلاحم بين قيادة الكويت و شعبها. وقد تألقت الطالبات في أداء هذه اللوحة، كما تألق جميع المشاركين في تقديم لوحات الأوبريت المختلفة.
ولم تكن لوحة وطن باقي مجرد فقرة فنية ضمن احتفالات الأعياد الوطنية في دولة الكويت، بل جاءت رسالة وجدانية عميقة تؤكد أن الوطن باقٍ في القلوب، وأن حب الكويت إرثٌ تتناقله الأجيال، فيبقى متقدًا في النفوس جيلاً بعد جيل. ولقد استطاعت اللوحة أن تلامس مشاعر جمهورها من خلال كلماتها الصادقة، وألحانها المؤثرة، وأداء الطالبات الذي اتسم بالسلاسة والإتقان، فحملت رسالة وطنية خالصة عبّرت عن الحنين والانتماء والوفاء للكويت.
كما برزت كلمات الشاعر منصور الواوان في رسم صورة وجدانية آسرة للوطن، جسدت العلاقة العميقة التي تربط الإنسان بأرضه. ولم يقتصر نجاح وطن باقي على تأثيرها الوجداني، بل جسدت أيضًا الدور التربوي والثقافي الذي تؤديه الأوبريتات الوطنية. فقد جاءت ضمن سلسلة من اللوحات التي استحضرت تاريخ الكويت، وعراقتها، وإنجازاتها، ووحدة شعبها، لتؤكد أن الفن الوطني ليس وسيلة للترفيه فحسب، بل هو أداة فاعلة في بناء الهوية الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة والولاء والانتماء لدى الأجيال الصاعدة.
ولقد جسدت لوحة وطن باقي حقيقة أن الأغنية الوطنية الصادقة لا تُقاس بعدد مشاهداتها، وإنما بما تتركه من أثر في النفوس. فهي لوحة اختزلت مشاعر شعب بأكمله تجاه وطنه، وجعلت الفن وسيلة لترسيخ الهوية، وتعميق الانتماء، وتجديد العهد بأن تبقى الكويت، كما تقول كلماتها، وطنًا باقيًا في القلوب، وعنوانًا للعزة والوحدة والمحبة عبر الأجيال.
هكذا ستبقى لوحة وطن باقي، التي قادتني إلى كتابة هذه السطور، مثالًا حيًا على قدرة الفن الوطني على الجمع بين الجمال الفني والرسالة التربوية، ليغرس حب الوطن في النفوس، ويجعله متربعًا في سويداء القلوب، ويؤكد أن الأوطان لا تحفظها الحدود وحدها، بل تحفظها القلوب التي امتلأت حبًا ووفاءً وانتماءً لها.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في القيادة الذاتية و التغيير الشخضي.






