د. صالح بن عبدالله الخمياسي
تظل الطبيعة بجمالها، وتنوّع تضاريسها، وصفاء أجوائها، مرتعًا ينشده الناس للهروب من ضجيج المدن وضغوط الحياة. فكيف يكون الحال عندما تكون تلك الطبيعة المنشودة، التي تُشدّ إليها الرحال، هي ظفار بخريفها، وإرثها، وحفاوة أهلها، وتنوّع طبيعتها، التي يتنافس كل ركنٍ فيها على إضفاء الفرح والسرور والسعادة إلى نفوس زائريها؟
لطالما أججت ظفارُ بجمالها وطقسها الذي يسحر الألباب، ويجلب البهجة، ويشحذ الخيال، قرائحَ الشعراء والكتّاب والفنانين، وأيقظت في داخلهم جذوة الإبداع، فصاغوا سبائكهم الإبداعية دررًا نفيسة توثّق اللحظة، وتُعطّر المكان بشذى عطرها الفوّاح وقيمتها الأدبية الخالدة.
ومن أولئك الذين أسرهم جمال المشهد، وحرّك فيهم جذوة الإبداع، وتدفقت كلماتهم لوصف ما خالجهم من مشاعر وأحاسيس، فشدوا بما جاد به فكرهم، ونبض له قلبهم، وتفنن في تشكيله خيالهم وذائقتهم، الشاعر علي الغنبوصي، الذي نسج خياله، وطُرّزت مفرداته فسيفساء إبداعه من خلال قصيدته “نسانيس الخريف”، التي صدح بألحانها غناءً كلٌّ من صالح الزهيري ومهرة عبدالله، فانتشرت على نطاق واسع، وتناقلها الجمهور استماعًا ومشاهدةً، بل وردد كثيرون كلماتها، وقد تاقوا إلى رؤية ظفار، فحرّكت فيهم نسانيس الخريف ذلك الشوق العميق.
قبل أن نبدأ في قراءة قصيدة “نسانيس الخريف”، نعرّف بشاعرها، وهو شاعر ذو حسّ رومانسي، يعشق الجمال، ويهيم في وصف الطبيعة والمكان وشمائل أهله. إنه الشاعر علي الغنبوصي، المنحدر من محافظة جنوب الشرقية، والذي سبق له المشاركة في مسابقة شاعر المليون.
وقد أكد في لقاء صحفي مع الإعلامية عهود المقبالي عبر جريدة الرؤية، أنه كانت بدايته الحقيقية مع الشعر خلال دراسته في كلية العلوم التطبيقية بولاية صور، مشيرًا إلى أن الكتابة الشعرية لديه لا ترتبط بوقت أو مكان محدد، بل تنبع من تفاعله مع المواقف المختلفة، سواء في الفرح أو الحزن، حتى أثناء المشي أو التأمل. كما يرى أن الأمسيات والملتقيات الشعرية تمثل حلقة وصل مهمة بين الشاعر والجمهور، وتساعده على فهم ذائقة المتلقين، إضافة إلى دورها الإعلامي في دعم مسيرته الشعرية، داعيًا إلى تعزيز التواصل الإعلامي مع الشعراء.
وفيما يلي نص القصيدة:
مرحبا يا نسانيس الخريف العذيه
طاب جو المعنى في ربوع الأصاله
بين خضراء الغصون وبين كف النديه
رحب السهل بالعاني و مده بوصاله
فاح عطر اللبان وشبت النار حيه
والكريم بيمينه مد صافي دلاله
توب ذا حي تسمع بين روحه وجيه
عادة في ظفار الخير و أهل اليماله
شوف كيف الرذاذ ينف كل صبح و عشيه
و السحابه عمامة عز تكسي جباله
جر عودك مع صوت الربابه سويه
وأملي السمع هبوت الظفاري لحاله
للوطن كل أبونا راس مجد و حميه
وارثين العزوم الرا سخه واشكاله
والله انك ملاذ الروح و أجمل هديه
زان جو الخريف و زان جوك صلاله
يستهل شاعرنا الغنبوصي قصيدته بـ “مرحبا بنسانيس الخريف الطيبة” التي تبهج الخاطر وتطرب القلب، ففي مثل هذه الأجواء يطيب للمعنى السكنى والإقامة، ولِمَ لا؟ وهو في أرض الأصالة والقيم، بين خضرة الغصون المترامية الأطراف على مدّ البصر، وبين الكفوف الندية التي جعلت من الجود والكرم ديدنًا لها.
فها هو السهل المترامي الأطراف، على مدّ البصر وأبعد من ذلك، يرحب بمن تعنى وقطع القفار والفيافي، وحلّق في الأجواء يشده الشوق واللهفة للوصول إلى ظفار؛ لتكتحل عينه بهذه السهول والمروج الخضراء. وهي كذلك تبادل ضيوفها وزائريها الترحاب والوصل والحميمية والألفة.
فها هي رائحة اللبان تفوح في كل الأرجاء، معطرة المكان بشذاها الفوّاح وعبقها الطيب، وهي بصمة متوارثة منذ الحضارات القديمة، مرحبة بضيوفها. وها هي النار قد شبت ليتم إعداد القهوة والطعام إكرامًا للضيف وابتهاجًا بمقدمه، فهي للكرم عنوان، تعكس مدى الحفاوة وحسن الاستقبال.
وما إن قدم الضيوف حتى هرع الناس مرحبين بزائريهم، يحملون دلالهم عنوانًا للكرم، ليستقبلوا ضيوفهم ويشعروهم بحسن اللقاء ودفء الاستقبال.
وما إن تتجول في أرجاء المكان تجد الكل مرحبًا بك، ولسان حاله يقول: “توب ذا حي”، وهي عبارة باللهجة الجبالية السائدة في ظفار، تعني: أهلاً وسهلاً، وحياك الله، ومرحبًا بك. هكذا يحتفي بك الجميع أينما ذهبت وتنقلت، فتغدو لغة الترحاب والحفاوة قاسمًا مشتركًا يميز المكان، فتشعر بالإطمئنان والألفة والتقدير، وكأنك ضيفٌ عزيز يسعد الجميع بلقائه ويأنس بمسامرته.
هكذا يواصل الشاعر القصيدة بكلماته العذبة الرقيقة، حيث يعد كل بيت منها ومضة إبداعية تجسد المشهد وتستحوذ على انتباه المتلقي، مشيرًا إلى أن هذا الشعور وتلك المعاملة ليست بغريبة على ظفار، بل هي عادة متأصلة في أهلها، فهم أهل حفاوة وكرم وطيب استقبال.
ثم يأخذنا الشاعر إلى مشهدٍ أخاذ من جمال الطبيعة، سحرته رؤيته واستحوذ على فكره، فتشكل في خياله لوحة فنية، وهو ينظر إلى الرذاذ كيف يغدو طربًا بقدوم ضيوف ظفار، فيواصل بثّ جوده وإجزال عطائه على مدار اليوم، صباحًا ومساءً.
يا له من جو آسر، ويا له من شعور يلفّك بالمرح والحبور والبهجة والسعادة، التي تنسيك حرارة الصيف الملتهبة في سائر مدن وقرى عمان، وها هي السحب تعاضد الرذاذ فتضفي على الجمال جمالًا آخر.
وها هو الشاعر يرقب هذا المشهد ويتفاعل معه بوجدانه وخياله، فتغدو السحب في مخيلته ومضة إبداعية كـ”غمامة عز” توشحت بها الجبال الشمّاء، التي زادتها الخضرة ألقًا على ألق وجمالًا فوق جمال. وهنا يربط الشاعر هوية الإنسان بالمكان؛ فالعماني يعتز بعمامته أينما حلّ وارتحل، في كافة ربوع الوطن العزيز.
أمام هذا المشهد الرومانسي الأخاذ، يخاطب الشاعر ندماءه وسماره ورفاقه، داعيًا إياهم إلى الاستمتاع بوجودهم في ظفار، وليأنسوا بنغمة العود مصحوبة بصوت الربابة في لحظة أنس وطرب، وهم يستمعون إلى غناء الهبوت، أحد الفنون التقليدية التي تمتاز بها محافظة ظفار، لتأخذ لغة الترحاب بعدًا آخر من الانسجام والحميمية والأخوة.
ثم يؤكد الشاعر أنه مهما اتجهنا في أرجاء الوطن شرقًا أو غربًا، شمالًا أو جنوبًا، فنحن لحمة واحدة، وقوة رادعة، ومجدٌ شامخ لهذا الوطن الذي افترشنا ترابه والتحفنا سماءه منذ الوهلة الأولى لهبة الحياة. إن هذا الانتماء الراسخ بات عقيدة متجذرة في النفوس، وإرثًا تربّت عليه الأجيال، فغدا مصدر عزة وشموخ نفتخر به.
وأمام كل هذه المناقب والصفات التي تميز محافظة ظفار وأهلها، يختتم شاعرنا الغنبوصي قصيدته بالتأكيد على أن ظفار، بجمالها الآسر وجوها الماطر وسهولها ووهادها وجبالها المخضرة، تعد ملاذًا للروح، بل أجمل هدية زفّها الرحمن. ففي ربوعها يزدان الخريف، وتغدو صلالة بأجوائها الفريدة عروسًا يخطب ودّها الجميع.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية و التغيير الشخصي.







