تُعد الوصية من الموضوعات التي أثارت وما زالت تثير نقاشاً واسعاً بين القانونيين والفقهاء، نظراً لارتباطها المباشر بأموال الإنسان بعد وفاته وبحقوق الورثة، إلا أن تناول هذه المسألة يجب أن يبدأ من نقطة أساسية، وهي التمييز بين الحكم القانوني الوضعي القائم وبين البحث الفقهي أو الديني الذي له مجاله الخاص وأدواته المختلفة.
فمن الناحية القانونية البحتة، فإن قانون الوصية المصري رقم 71 لسنة 1946، وهو قانون قائم ولم يُلغَ حتى الآن، وضع قاعدة واضحة في المادة 37 منه بشأن الوصية، حيث قرر أن الوصية تجوز للوارث ولغير الوارث في حدود الثلث، وتنفذ دون توقف على موافقة باقي الورثة، أما ما زاد على الثلث فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة بعد وفاة الموصي.
وهذا النص التشريعي يمثل الوضع القانوني المعمول به في مصر، بصرف النظر عن أي نقاش آخر يتعلق بمدى توافقه أو اختلافه مع الآراء الفقهية أو النصوص الدينية، لأن تلك مسألة أخرى مستقلة لها مجالها العلمي الخاص، ولا تغير من حقيقة أن المشرع المصري اختار تنظيم الوصية بهذه الصورة وأصبح هذا التنظيم هو المرجع أمام القضاء عند تطبيق القانون.
كما أن المادة 37 لم تضع قيداً يمنع الوصية لمجرد أن الموصى له وارث، بل جاءت بعبارة عامة تشمل الوارث وغير الوارث، وهو ما يعني أن صفة الوارث في ذاتها ليست مانعاً قانونياً من صحة الوصية، فلو أراد شخص في حياته أن يوصي لأحد أبنائه أو لزوجته أو لأي شخص ممن تثبت لهم صفة الإرث بجزء من تركته، فإن هذه الوصية تكون صحيحة من الناحية القانونية متى كانت في حدود الثلث واستوفت باقي الشروط المطلوبة.
ولتوضيح ذلك من الناحية العملية، فإذا ترك شخص تركة قدرها ثلاثة ملايين دينار، وكان قد أوصى لأحد ورثته بمبلغ مليون دينار، فإن هذه الوصية تكون نافذة قانوناً لأنها لم تتجاوز الحد الذي حدده المشرع وهو الثلث، أما إذا أوصى له بمليون ونصف المليون جنيه، فإن الجزء الذي يجاوز الثلث لا يصبح نافذاً إلا إذا وافق باقي الورثة بعد وفاة الموصي، لأن القانون جعل للورثة حق قبول الزيادة أو رفضها.
ومن هنا يتضح أن القانون المصري لم يجعل الوصية للوارث أمراً مستحيلاً أو باطلاً لمجرد وجود رابطة الإرث، وإنما نظمها بضوابط محددة، أهمها ألا تتجاوز الثلث إلا بموافقة الورثة، فالمشرع لم يترك الأمر مطلقاً، وفي الوقت نفسه لم يمنع الشخص من ترتيب أثر مالي بعد وفاته لصالح أحد الورثة في الحدود التي رسمها القانون.
والخلط الذي يحدث أحياناً يأتي من الانتقال مباشرة من النقاش القانوني إلى النقاش الديني دون الفصل بين المجالين، فعندما يقال إن القانون المصري يجيز الوصية للوارث، فهذا حديث عن نص تشريعي قائم وعن قاعدة قانونية تطبقها المحاكم، وليس بالضرورة حديثاً عن تقييم شرعي لهذا النص أو مقارنته بأقوال الفقهاء والأحاديث، لأن هذا موضوع آخر يحتاج إلى بحث مستقل من زاوية مختلفة تماماً.
فالقانون الوضعي يجيب عن سؤال محدد: ما الحكم القانوني الذي يطبقه القاضي؟ والإجابة هنا واضحة: المادة 37 من قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946 أجازت الوصية للوارث ولغير الوارث في حدود الثلث، أما السؤال المتعلق بمدى توافق هذا الحكم مع الشريعة أو اختلافه معها فهو سؤال آخر لا يُحسم بالنص القانوني وحده، بل يحتاج إلى دراسة دينية وفقهية مستقلة.
وبالتالي فإن الحديث عن الوضع القانوني يجب أن يكون دقيقاً ومنصفاً؛ فالقانون القائم له وجوده وأثره، والنقاش حوله من الناحية الشرعية أو الفقهية يمكن أن يُبحث في إطار آخر، أما من حيث القانون، فإن القاعدة التي قررها المشرع المصري ما زالت قائمة: الوصية جائزة للوارث ولغير الوارث في حدود الثلث، وهذه هي الحقيقة القانونية التي لا تتغير إلا بتعديل تشريعي جديد.
يذكر أن هذا النص مستوحى من مقطع مصور لأحد المحامين المصريين ولأن فكرة القانون مثيرة للجدل، ارتأيت أن من المفيد الكتابة عنها وتبسيطها بالقدر الممكن الذي يستوجب شرح هذه المادة وإيصالها والتمييز بين وضعها القانوني والشرعي، من باب الفائدة العامة.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
مستشار قانوني – الكويت








