محافظة ظفار الجميلة والعريقة، منبع الطبيعة والسكون، رغم جمالها الأخّاذ الذي يستمتع الآلاف من حول العالم به، إلا أنها تخبّئ الكثير من الأسرار والقصص والأساطير، مثل “موشكا” التي تعد واحدة من أشهر الأساطير التي تروي قصة امرأة من عالم الجن وقعت في حب إنسان، وتعرضت للتعذيب من قومها حتى ماتت، وتقول الأسطورة إنها تحولت إلى شجرة اللبان.
هذه المحافظة تحمل الكثير من الأسرار وتبهر الزوار، وتصنع دائمًا الفارق لقطاع السياحة، وهي أيضًا منبع للأساطير التي تنبتها الأرض وتعيش ليتداولها الناس لآلاف السنين، فموشكا لم تكن شجرة عادية تنبت في جبال ظفار، وإنما كانت من أبرز وأعرق الحكايات الإنسانية والتجارية التي عرفها العالم، فقد حملتها القوافل وسافرت بها إلى مختلف البلدان، وبعبيرها تشكلت طرق التجارة، ومنها عرفت الحضارة العُمانية.
وربما تكمن عظمة شجرة اللبان في أنها ليست من التحف والمقتنيات المحفوظة بين جدران المتاحف، بل هي أسطورة لا تزال تتنفس الحياة، مع كل موسم خريفي تعطي لظفار هويتها البصرية وخصوصيتها غير المكررة، ففي الزمن الذي تتنافس فيه الدول لصناعة رموز وأيقونات، تطل سلطنة عُمان بهذا الرمز الطبيعي الفريد من نوعه، والذي قدمته الطبيعة هديةً لهذا البلد الجميل والمسالم، لتكون أحد أهم الرموز والإرث الحقيقي الذي يفاخر به أمام باقي الدول.
ومع كل موسم خريفي لا يتكرر المشهد على أنه أمطار ورذاذ وضباب وجبال تكسوها الخضرة، بقدر ما يمثله من احتفال سنوي بالهوية والطبيعة، حيث يتوافد آلاف الزوار ليعيشوا تجربة خريفية مختلفة، تتطور عامًا بعد عام، لا تمتلكها أي دولة أخرى في المنطقة كما هو الحال مع سلطنة عُمان، حيث يستشعر الزوار مزيج الروائح العطرية المصنّعة من اللبان مع رائحة المطر، فيشعرون بأن الحياة تمنحهم أكثر من مجرد تجربة، فكل من يقصد ظفار لا يغادرها دون أن يحمل في يديه هدايا اللبان أو أحد مشتقاته، ليس لأنه مجرد تذكار سياحي، وإنما بوصفه قطعة من ظفار الحبيبة، ورمزًا من رموز أرض عُمان الطيبة، وقصة يشهد عليها التاريخ والثقافة قبل أن تكون قيمة مادية. وهذا ما يقودنا لسؤال أنفسنا: هل لا نزال ننظر إلى شجرة اللبان على أنها منتج يباع ويستفاد منه، بينما ينظر إليها العالم باعتبارها قصة وأسطورة وحكاية يخلدها التاريخ؟
كما نعلم جميعًا أن الاقتصاد الحديث لم يعد يقوم على بيع وشراء منتج وسلعة، بقدر ما يقوم على تسويق الهوية وصناعة التجربة، والإعلاء من قيمة المنتجات بالتعريف بأصلها وقصتها وتاريخها؛ لإكسابها القيمة الحقيقية التي تستحقها، وبذلك نسهم في انتشار هذه المنتجات وهذه القيمة الحضارية. واللبان يمتلك كل هذه المقومات وهذه المعادلة، فهو قصة تاريخ تمتد آلاف السنين، وارتبط ارتباطًا كبيرًا مع الكثير من الحضارات، كما أنه أيضًا ارتبط بأحد مواقع التراث العالمي التي منحته سمعة عالمية، وقيمة ثقافية، وبيئية محددة ونادرة تحتضنه، لذلك فإن الاستثمار الذي نريده لا يمكن أن نبنيه فقط بزيادة الإنتاج، بل بالعمل على تحويله إلى علامة وطنية متكاملة، تتمثل في تبني مدن بأكملها يعيشها الإنسان العُماني والزائر، وكل ما تضمه هذه المدن مبني ومصنوع من هذه الشجرة العريقة، كما هو الحال مع شركة “كارلس 1921” في ألمانيا، والتي بدأت كشركة لتصنيع المربى بالفراولة، لكن بعد ذلك جرى التسويق لها كتجربة متكاملة وليست منتجًا، لتتحول إلى متحف متكامل لكل ما يتعلق بالفراولة، وأصبحت تضم أماكن للأطفال والعائلات مثل الملاهي والمخابز والكافيهات ومتاجر الهدايا ومراكز التدريب لصناعة المنتجات والهدايا، ونحن نمتلك أجمل من ذلك كله، ويمكن أن تكون هذه الشجرة بداية لمشاريع كبيرة وذات مردود اقتصادي عالٍ.
إن موشكا تستحق أن تكون هي الأيقونة الحقيقية لظفار، وأحد أهم رموز عُمان، وهي السياحة الحقيقية المليئة بالقصص والجمال، فهي ليست شجرة تقف على الأرض وتمتد جذورها في العمق، وتعطينا منتجًا أصبح يستخدم في كل شيء، بل هي سفيرة حقيقية صامتة تحمل اسم سلطنة عُمان للعالم، ليبقى خريف ظفار أحد أعظم الهدايا الإلهية التي وهبها الله لعُمان، فاللبان ليس مجرد زيت عطري يستخرج من شجرة ونصنع منه منتجات، بقدر ما أنه ذاكرة وطنية، وأسطورة ممتدة، واقتصاد يُروى للعالم، وهي حضارة لا يمكن اندثارها مع الزمن، فموشكا ليست شجرة، بل هي أيقونة حقيقية لعُمان الحبيبة، وستظل تذكر قصتها وتكتب للأجيال، كلما فاح عبيرها، وكلما أقبل علينا خريف ظفار بجمالياته.
مدرين المكتومي






