السبت, أغسطس 29, 2026
  • Login
عاشق عُمان
  • أخبار
    • الطقس
    • Oman News
  • مقالات
  • وظائف وتدريب
  • ثقافة وأدب
    • شعر
    • خواطر
    • قصص وروايات
    • مجلس الخليلي للشعر
  • تلفزيون
    • بث أرضي للقناة الرياضية
  • لا للشائعات
  • المنتديات
No Result
View All Result
عاشق عُمان
No Result
View All Result




Home مقالات

مضيق هرمز.. حين يصبح الممر ورقة حرب

29 أغسطس، 2026
in مقالات
IMG 2094 3

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق يفصل بين إيران وسلطنة عُمان، بل تحول مع استمرار الحرب الإيرانية الأميركية إلى واحدة من أخطر نقاط الاختبار للنظام الدولي، بعدما أصبحت حرية الملاحة فيه مرتبطة مباشرة بأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق وسلاسل الإمداد.

فالمضيق الذي عبرته في السنوات الأخيرة كميات هائلة من النفط والغاز بات اليوم ساحة صراع تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والقواعد القانونية الدولية، فيما تعمل دول الخليج لتقليل اعتمادها على هذا الممر الذي ظل لعقود بوابة رئيسية لصادرات الطاقة من المنطقة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والعالمية.

وتكشف التطورات الأخيرة أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بإمكانية إغلاق المضيق من عدمها، وإنما بما إذا كان بالإمكان استخدام الجغرافيا البحرية كسلاح سياسي واقتصادي، وإلى أي مدى يمكن لدولة تقع على أحد جانبي الممر أن تفرض إرادتها على حركة السفن الدولية، ففي 28 أغسطس 2026 أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أنها تملك “سيطرة كاملة” على مضيق هرمز، بينما أظهرت بيانات حركة السفن أن عدد السفن التي عبرت المضيق في أحد أيام الأسبوع الأخير تراجع إلى سبع سفن للسلع مقارنة بمتوسط بلغ نحو 15 سفينة خلال عشرة أيام، بما يعكس أن الخطر لم يعد افتراضياً حتى مع استمرار وجود حركة ملاحية محدودة.

ومن هنا بدأت دول الخليج تنظر إلى المضيق ليس باعتباره ممراً جغرافياً فحسب، وإنما باعتباره نقطة اختناق استراتيجية يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى أداة ضغط على اقتصاداتها، وتدفع هذه المخاوف السعودية والكويت والإمارات وغيرهما إلى تسريع استثمارات كانت موجودة أصلاً في الموانئ وخطوط الأنابيب وشبكات النقل، لكنها اكتسبت بعد الحرب أهمية استراتيجية جديدة، لأن الهدف لم يعد فقط زيادة الطاقة التصديرية، وإنما إنشاء قدرة فعلية على تصدير النفط والغاز والسلع من دون المرور بمضيق هرمز.

السعودية تملك في هذا المجال ميزة جغرافية مهمة تتمثل في إمكانية نقل جزء من إنتاجها من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر عبر منظومة خطوط الأنابيب، ومن ثم شحنه من موانئ مثل ينبع بدلاً من إرساله عبر الخليج إلى مضيق هرمز، ويُعد خط أنابيب الشرق والغرب، الممتد من منطقة بقيق إلى ينبع، أهم هذه البدائل، وقد أتاح بالفعل تحويل جزء من التدفقات النفطية بعيداً عن المضيق، لكن هذه القدرة لا تعني أن السعودية تستطيع ببساطة استبدال هرمز بالكامل، لأن حجم الطاقة التي كانت تمر عبر المضيق أكبر من قدرة المسارات البديلة الحالية.

أما الإمارات فتملك ميزة مختلفة، إذ تمتلك منفذاً مباشراً على خليج عُمان عبر الفجيرة، ما يسمح بنقل النفط من الحقول والمنشآت الواقعة داخل الدولة إلى الساحل خارج مضيق هرمز، وتعمل أبوظبي على توسيع قدرات خط أنابيب النفط الذي يصل إلى الفجيرة، في خطوة تهدف إلى مضاعفة قدرة تصدير الخام عبر هذا المسار بحلول عام 2027، بما يعني أن البنية التحتية التي كانت في السابق مشروعاً اقتصادياً أصبحت الآن جزءاً من استراتيجية أمن قومي طويلة الأمد.

وفي العراق تبدو المشكلة أكثر تعقيداً، لأن اعتماد البلاد على منافذ الخليج يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب في هرمز، ولذلك تظهر مشاريع لفتح مسارات تصدير بديلة باتجاه سوريا وتركيا والأردن، وإن كانت هذه المشاريع تواجه تحديات سياسية وأمنية وفنية وجغرافية تجعلها غير قادرة على توفير بديل سريع وكامل للممر البحري الخليجي، وتكشف هذه التحركات بمجملها أن الحرب لم تدفع دول المنطقة إلى البحث عن حل مؤقت فقط، وإنما بدأت تدفعها نحو إعادة رسم خريطة البنية التحتية للطاقة والتجارة في الشرق الأوسط.

لكن السؤال الأخطر يبقى قانونياً: هل تملك إيران، باعتبارها دولة تطل على جزء من المضيق، الحق في إغلاقه أو منع السفن الدولية من العبور أو فرض رسوم وشروط على الملاحة فيه؟

الإجابة تحتاج إلى التمييز بين السيادة على المياه الإقليمية وبين الحق في التحكم بممر دولي. فالقانون الدولي للبحار لا يتعامل مع المضائق المستخدمة للملاحة الدولية باعتبارها مجرد مياه إقليمية يمكن للدولة الساحلية أن تتصرف فيها كما تشاء، وتُعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المرجع الدولي الأهم في تنظيم هذه المسألة، ولا سيما أحكام الجزء الثالث منها المتعلقة بالمضائق المستخدمة للملاحة الدولية.

وتنص المادة 37 من الاتفاقية على أن نظام المرور العابر ينطبق على المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة. أما المادة 38 فتقرر حق جميع السفن والطائرات في ممارسة “المرور العابر” عبر هذه المضائق، وهو نظام يتجاوز مفهوم المرور البريء التقليدي، لأنه يقوم على ضمان العبور المستمر والسريع للملاحة الدولية.

وتزداد أهمية المادة 44 تحديداً، لأنها تمنع الدول المطلة على المضائق من عرقلة المرور العابر، كما لا تسمح بتعليقه، وهذه النقطة هي جوهر الخلاف القانوني حول هرمز، فإذا اعتُبر نظام المرور العابر المنصوص عليه في اتفاقية قانون البحار قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، فإن عدم تصديق دولة ما على الاتفاقية لا يعني تلقائياً أنها تستطيع تجاهل القاعدة.

وهنا تظهر المفارقة القانونية في حالة إيران والولايات المتحدة، فكلا البلدين ليس طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إيران وقعت الاتفاقية لكنها لم تصدق عليها، بينما الولايات المتحدة لم تصبح طرفاً فيها أيضاً، وهذا يعني أن من الخطأ القول إن الاتفاقية تلزم إيران والولايات المتحدة لمجرد أن اسمها هو المرجع الدولي الأبرز، لكن من الصحيح أيضاً أن عدم التصديق لا يحسم المسألة، لأن بعض قواعد الاتفاقية قد تكون قد تحولت إلى قواعد عرفية ملزمة لجميع الدول.

وهنا تحديداً تقع المعركة القانونية الحقيقية، فالولايات المتحدة وعدد من خبراء القانون الدولي يرون أن نظام المرور العابر أصبح جزءاً راسخاً من القانون الدولي العرفي، وبالتالي فهو ينطبق على المضائق الدولية حتى في مواجهة الدول التي لم تصادق على اتفاقية قانون البحار، وقد أشار ممثل سنغافورة الدائم لدى الأمم المتحدة في أبريل الماضي إلى أن حق المرور عبر مضيق هرمز أصبح راسخاً بصورة قوية في القانون الدولي العرفي.

لكن إيران تطرح موقفاً مختلفاً، وتقول إن نظام المرور العابر بصورته التي جاءت بها اتفاقية قانون البحار لا يمثل بالضرورة قاعدة عرفية تلزمها، وإنها ترى أن النظام القانوني الذي ينبغي تطبيقه على هرمز هو نظام المرور البريء، كما سبق أن أعلنت عند توقيع الاتفاقية أنها ستطبق نظام المرور العابر على الدول التي صادقت على الاتفاقية، وهذا الموقف الإيراني هو أحد أسباب التعقيد القانوني في القضية، لأنه لا ينكر وجود القانون الدولي للبحار، وإنما ينازع في طبيعة القاعدة التي تحكم المضيق وفي مدى إلزامها للدول غير الأطراف.

لكن حتى وفق التفسير الإيراني، لا يعني ذلك أن المضيق أصبح ملكية إيرانية يمكن إغلاقها بإرادة منفردة، فمضيق هرمز ممر دولي، كما أن أجزاء من مسار الملاحة تمر في المياه التابعة لسلطنة عُمان، ولذلك لا يمكن اختزال القضية في علاقة ثنائية بين إيران والولايات المتحدة، أي محاولة لمنع الملاحة الدولية تمس مصالح دول كثيرة، وحقوق دول العلم، وسيادة الدول الساحلية الأخرى، وأمن التجارة الدولية.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلق الأمر بالسفن التجارية، فالحق في الملاحة ليس امتيازاً تمنحه إيران للسفن التي تقبل شروطها، بل يرتبط بطبيعة المضيق ووظيفته الدولية، وفي هذا السياق، فإن فرض رسوم إلزامية على السفن مقابل السماح لها بالمرور، من دون أساس قانوني أو خدمة محددة، يثير إشكالات إضافية، لأن قواعد قانون البحار لا تمنح الدولة الساحلية حرية تحويل المرور الدولي إلى نظام عبور مدفوع وفق إرادتها المنفردة، وقد أصبحت فكرة فرض رسوم على المرور إحدى النقاط التي أثارتها إيران خلال الأزمة، فيما طرحت عُمان في يوليو خطة لإدارة إقليمية للمضيق ورسوم طوعية بدلاً من فرض رسوم إلزامية.

لكن القانون الدولي لا يمكن فصله عن حقيقة أن الدول لا تتحرك في البحر بالقواعد القانونية وحدها، فالمضيق قد يكون مفتوحاً من الناحية النظرية، لكنه يصبح مغلقاً عملياً إذا تعرضت السفن للصواريخ أو المسيرات أو الألغام أو التهديد بالاحتجاز أو ارتفعت كلفة التأمين إلى مستوى يجعل الشركات ترفض الإبحار، ولهذا فإن “الإغلاق” لا يحتاج دائماً إلى إعلان رسمي، فقد يتحقق واقعياً من خلال خلق بيئة أمنية تجعل الملاحة الطبيعية مستحيلة أو شديدة الخطورة.

وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة الحالية أكثر تعقيداً، فحتى مع بقاء عدد محدود من السفن قادراً على العبور، فإن انخفاض حركة الملاحة بصورة كبيرة يعني أن حرية الملاحة قد تكون موجودة على الورق لكنها مقيدة عملياً. وهذا الفرق بين الإغلاق القانوني والإغلاق الفعلي مهم جداً في تقييم الأزمة، لأن الاقتصاد العالمي يتعامل مع المخاطر وليس مع النصوص القانونية وحدها. السفينة التي تستطيع قانوناً عبور المضيق لكنها لا تجد شركة تأمين مستعدة لتغطية الرحلة، أو تواجه تهديداً عسكرياً، أو تحتاج إلى إجراءات أمنية استثنائية، لا تتصرف كما لو أن الطريق مفتوح بصورة طبيعية.

ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم لماذا أصبحت الحرب الإيرانية أزمة اقتصادية عالمية وليست مجرد مواجهة عسكرية إقليمية، فالمضيق يمثل نقطة اختناق في شبكة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه لا يضرب الدول الخليجية وحدها، وإنما ينعكس على أسعار النفط والغاز والتأمين والشحن والصناعات الثقيلة والكهرباء والنقل والغذاء، لأن الطاقة تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة معظم السلع والخدمات.

ولهذا فإن الحديث عن تعمد تدمير الاقتصاد العالمي يحتاج إلى صياغة دقيقة، لا يمكن قانونياً أو صحفياً الجزم بأن طرفاً واحداً قرر “تدمير الاقتصاد العالمي” ما لم تتوافر أدلة تثبت هذه النية تحديداً، لكن يمكن القول إن استخدام مضيق هرمز كسلاح ضغط، سواء من خلال التهديد بالإغلاق أو تعطيل الملاحة أو استهداف السفن، يخلق أثراً اقتصادياً يتجاوز أطراف الحرب بكثير، ويحوّل نقطة جغرافية محدودة إلى أداة ضغط على الاقتصاد الدولي. وفي حال استمرار هذا السلوك، فإن الأثر لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل يصبح جزءاً من معادلة الضغط السياسي والعسكري.

واللافت أن الولايات المتحدة نفسها ليست طرفاً في اتفاقية قانون البحار، وهو أمر يضع واشنطن أيضاً أمام مفارقة قانونية، فهي تستند بصورة واسعة إلى أن قواعد حرية الملاحة والمرور العابر أصبحت جزءاً من القانون الدولي العرفي، وفي الوقت نفسه تستخدم القوة العسكرية لحماية الملاحة ومواجهة ما تعتبره تهديداً إيرانياً، وهذا يفتح سؤالاً مقابلاً: إذا كانت حرية الملاحة قاعدة دولية، فهل يحق لأي قوة عسكرية، بما فيها الولايات المتحدة، استخدام القوة بصورة تتجاوز ما تسمح به قواعد ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني؟

الجواب هنا ليس بسيطاً، لأن الحق في الملاحة لا يمنح أي دولة تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة، فميثاق الأمم المتحدة يفرض قيوداً أساسية على استخدام القوة في العلاقات الدولية، ولا تتحول حماية الملاحة تلقائياً إلى مبرر قانوني لحرب مفتوحة، وفي المقابل، إذا تعرضت السفن أو القوات لهجمات مسلحة، فقد تدخل قواعد الدفاع عن النفس، كما أن النزاع المسلح يخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون الحرب البحرية، ولذلك فإن تقييم التصرفات الإيرانية والأميركية يجب أن يتم على مستويين منفصلين: مستوى قانون البحار الذي يحكم الملاحة، ومستوى ميثاق الأمم المتحدة وقانون النزاعات المسلحة الذي يحكم استخدام القوة.

وهذه النقطة مهمة لأن الخلط بين المسارين يمكن أن يؤدي إلى استنتاج خاطئ مفاده أن أي دولة تستطيع استخدام القوة العسكرية لمجرد أنها تقول إنها تحمي حرية الملاحة، فالقانون الدولي لا يمنح شيكاً على بياض لأي طرف، كما أن خرق إيران لقواعد الملاحة، إذا ثبت، لا يعني أن كل عمل عسكري تقوم به الولايات المتحدة يصبح قانونياً تلقائياً.

وفي حالة المضائق الدولية، فإن القاعدة الأساسية هي أن حرية المرور لا تعني حرية ممارسة الأعمال العدائية داخل الممر، فحتى السفن العسكرية التي تتمتع بحقوق الملاحة يجب أن تلتزم بقواعد المرور والامتناع عن استخدام القوة بما يتعارض مع النظام القانوني للممر، بينما يبقى أي استخدام للقوة خاضعاً لقواعد أوسع من مجرد قانون البحار.

ومن هنا يمكن فهم سبب تحول هرمز إلى اختبار للنظام الدولي بأكمله، فالقضية لم تعد فقط: هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟ بل أصبحت: هل تستطيع دولة أن تستخدم موقعها الجغرافي لفرض شروط سياسية على التجارة الدولية؟ وهل تستطيع قوة عسكرية أخرى استخدام ذريعة حماية الملاحة لتوسيع عملياتها العسكرية؟ ومن يملك حق تحديد متى يصبح التهديد للملاحة عملاً من أعمال الحرب؟ ومتى يصبح الرد العسكري نفسه انتهاكاً للقانون الدولي؟

وتكشف الأزمة أيضاً أن القانون الدولي، مهما كان واضحاً على الورق، يظل محدود القدرة عندما يصطدم بالقوة العسكرية، فليس هناك شرطة عالمية للبحار تستطيع ببساطة فتح مضيق مغلق بالقوة وإعادة الأمور إلى وضعها السابق من دون مخاطر، وإذا قامت دولة بتلغيم الممر أو استهداف السفن أو تهديدها، فإن إزالة هذا الخطر قد تتطلب عمليات عسكرية، وهذه العمليات نفسها قد تؤدي إلى تصعيد أكبر وحرب أوسع.

لهذا السبب فإن دول الخليج بدأت تتعامل مع المسألة بطريقة مختلفة، بدلاً من انتظار حل سياسي يعيد هرمز إلى وضعه السابق، تعمل على تقليل قيمة المضيق في حساباتها الاقتصادية، فكل برميل يمكن تصديره عبر البحر الأحمر أو الفجيرة هو برميل أقل اعتماداً على هرمز، وكل ميناء يمكنه استقبال وتخزين وتحميل الطاقة خارج نطاق الخطر هو عنصر إضافي في الأمن الاقتصادي، وكل خط أنابيب جديد يصبح عملياً جزءاً من منظومة الردع الاقتصادي.

وتشير التطورات الحالية إلى أن هذه الاستراتيجية بدأت تتوسع من النفط إلى منظومة التجارة نفسها، فالسعودية والإمارات تعملان على تعزيز الموانئ والمسارات البديلة، فيما تتجه الاستثمارات إلى المستودعات ومراكز الحاويات وشبكات النقل البرية والسكك الحديدية، بما يسمح بإعادة توجيه جزء من التجارة في حال استمرار اضطراب الممرات البحرية، وتظهر أهمية ذلك في ظل ارتفاع مخاطر التأمين على السفن، إذ بدأت دول الخليج نفسها التفكير في أدوات تأمين مدعومة من الدولة لحماية السفن والبنية التحتية والبضائع من مخاطر الحرب.

وهكذا بدأت الحرب تنتج واقعاً جيوسياسياً جديداً: إيران كانت تنظر إلى هرمز باعتباره ورقة استراتيجية تمنحها قدرة على التأثير في العالم، لكن الاستخدام المتكرر للورقة قد يدفع خصومها وحلفاءها التجاريين إلى بناء نظام اقتصادي كامل لتجاوزها. وهذا هو التناقض الأكبر في استراتيجية خنق المضيق، فكلما ارتفع مستوى التهديد، ارتفعت الحوافز الدولية لإنفاق مليارات الدولارات على إيجاد البدائل.

وقد بدأ هذا التحول بالفعل، فالتقديرات الحديثة تشير إلى أن دول الخليج تتجه إلى إعادة توجيه نسبة أكبر من صادراتها خارج هرمز خلال السنوات المقبلة، بينما تتسارع الاستثمارات في خطوط الأنابيب والموانئ ومسارات البحر الأحمر والفجيرة، وإذا استمرت هذه العملية، فقد يتحول المضيق من نقطة اختناق لا غنى عنها إلى ممر مهم، لكنه ليس الوحيد.

لكن هذه البدائل لا تعني أن العالم يستطيع ببساطة استبدال هرمز، فالمضيق كان ولا يزال قناة رئيسية لجزء ضخم من تجارة الطاقة العالمية، وقد مرت عبره في 2024 كميات تقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية والمكثفات وفق تقديرات نقلتها مصادر دولية، وهو حجم لا يمكن لخط أنابيب واحد أو ميناء واحد أن يستوعبه بسهولة.

وهنا تكمن خطورة الأزمة الاقتصادية، فالأسواق لا تحتاج إلى توقف كامل للصادرات حتى تتضرر، يكفي أن تصبح حركة السفن أبطأ، وأن ترتفع أقساط التأمين، وأن تتضاعف مدة الرحلات، وأن تضطر المصافي إلى تغيير مصادرها، وأن تتراجع المخزونات، حتى تبدأ آثار الأزمة في الظهور على الأسعار والتضخم والنقل والصناعة.

وإذا استمر الوضع، فإن دولاً بعيدة عن الخليج ستجد نفسها تدفع ثمن صراع لا تشارك فيه، أوروبا ستواجه منافسة أكبر على إمدادات الطاقة، وآسيا ستبحث عن شحنات بديلة، والدول المستوردة للنفط ستدفع تكاليف أعلى، بينما تتحول شركات الشحن والتأمين إلى خط الدفاع الأول عن التجارة العالمية، ولهذا فإن أزمة هرمز ليست أزمة نفط فقط؛ إنها أزمة في مفهوم الأمن الاقتصادي العالمي.

ومن الناحية السياسية، فإن استمرار تعطيل الملاحة يضع إيران أمام معادلة شديدة الصعوبة. فمن جهة، يمنحها المضيق قدرة هائلة على الضغط على خصومها وعلى الأسواق، ومن جهة أخرى فإن استمرار استخدام هذه القدرة يدفع السعودية والإمارات والعراق وغيرها إلى تسريع فك ارتباطها الجغرافي والاقتصادي بالمضيق، وقد يصبح نجاح هذه الدول في بناء البدائل هو الثمن الاستراتيجي الذي تدفعه إيران مقابل استخدام هرمز كسلاح.

أما الولايات المتحدة، فإن الأزمة تضعها أمام معضلة مشابهة، فواشنطن تريد ضمان حرية الملاحة وحماية تدفق الطاقة، لكنها تواجه سؤالاً حول حدود الدور العسكري الذي يمكن أن تلعبه في ممر دولي لا تملك هي ولا إيران السيادة عليه بالكامل، كما أن استمرار العمليات العسكرية حول المضيق يهدد بتحويل حماية الملاحة إلى جزء من الحرب نفسها، وهو ما يزيد احتمالات التصعيد بدلاً من خفضها.

وتبقى سلطنة عُمان طرفاً بالغ الأهمية في هذه المعادلة، لأن موقعها الجغرافي يمنحها دوراً مباشراً في إدارة أحد جانبي المضيق، كما أن طرح مسار إقليمي لإدارة الملاحة ورسوم طوعية يكشف عن إدراك بأن الحل المستدام قد لا يكون عسكرياً. فالمضيق الذي يخدم الاقتصاد العالمي لا يمكن أن يبقى رهينة لمعادلة إما السيطرة الإيرانية أو السيطرة الأميركية، وإنما يحتاج إلى ترتيبات تضمن الملاحة الدولية وتحترم سيادة الدول الساحلية وتمنع تحويل الممر إلى أداة ابتزاز اقتصادي.

وفي النهاية، فإن أخطر ما كشفته حرب هرمز هو أن العالم كان يعتمد على ممر واحد أكثر مما ينبغي. لقد أثبتت الأزمة أن بنية التجارة والطاقة العالمية يمكن أن تصبح شديدة الهشاشة عندما تتركز نسبة ضخمة من التدفقات في نقطة جغرافية واحدة، وأن القانون الدولي يستطيع تحديد الحقوق والالتزامات لكنه لا يستطيع وحده منع دولة مسلحة من محاولة فرض الأمر الواقع.

قانونياً، لا يمنح الموقع الجغرافي إيران حقاً مطلقاً في إغلاق مضيق هرمز أو تحويله إلى ممر يخضع لإرادتها السياسية، كما أن عدم انضمام إيران والولايات المتحدة إلى اتفاقية قانون البحار لا يعني غياب القواعد الدولية، لأن جزءاً مهماً من نظام الملاحة الدولية يستند أيضاً إلى القانون العرفي وإلى قواعد أخرى من القانون الدولي. وسياسياً، فإن أي محاولة لاستخدام المضيق كسلاح ضغط على العالم ستدفع الدول المتضررة إلى البحث عن بدائل، وهو ما بدأ يحدث بالفعل.

وهنا قد تكون المفارقة التاريخية الأكبر: ما أرادته الحرب كورقة ضغط قد يتحول إلى سبب في تغيير خريطة الطاقة العالمية، فكلما بدا مضيق هرمز أكثر خطورة، أصبح الاستثمار في تجاوزه أكثر إلحاحاً، وكلما استخدم كسلاح، ازدادت رغبة الدول في بناء طرق لا تحتاج إليه، وقد لا يكون بالإمكان إلغاء أهمية هرمز في سنوات قليلة، لكن يمكن تقليل قدرته على ابتزاز الاقتصاد العالمي.

لذلك فإن المعركة الحقيقية حول مضيق هرمز لن تحسمها السفن وحدها ولا الصواريخ وحدها، بل ستُحسم أيضاً في الموانئ وخطوط الأنابيب وشبكات السكك الحديدية ومراكز التخزين والتأمين والأسواق، وإذا استمرت الأزمة، فإن السؤال في السنوات المقبلة لن يكون فقط من يسيطر على هرمز، وإنما من يستطيع أن يجعل السيطرة عليه أقل تأثيراً في الاقتصاد العالمي، وعندها قد تتحول واحدة من أهم أوراق القوة الإيرانية من مصدر للنفوذ إلى عامل دفع خصومها لبناء نظام إقليمي ودولي أقل اعتماداً عليها، في واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل خريطة الطاقة والتجارة منذ عقود.

عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
كاتب ومفكر – الكويت.

Previous Post

شركة 44.01 تعلن فرصة تدريبية

أحدث المنشورات

مبلغ التأمين بعد مغادرة المسكن.. من يتحمل تكلفة الأضرار؟

مبلغ التأمين بعد مغادرة المسكن.. من يتحمل تكلفة الأضرار؟

29 أغسطس، 2026
خريف ظفار.. حين تصبح الاستدامة جزءًا من الجمال

حين تكشف الحرب حدود القوة… هل بدأت المنطقة تمسك بخيوطها؟

29 أغسطس، 2026
خريف ظفار.. حين تصبح الاستدامة جزءًا من الجمال

خريف ظفار.. حين تصبح الاستدامة جزءًا من الجمال

29 أغسطس، 2026
الوظيفة المرجوة

الوظيفة المرجوة

29 أغسطس، 2026
نحو صناعة الإعلامي المسؤول فـي زمن الظواهر الصوتية

نحو صناعة الإعلامي المسؤول فـي زمن الظواهر الصوتية

29 أغسطس، 2026
فن الدبلوماسية .. إتيكيت اللقاءات الصحفية والإعلامية «1»

فن الدبلوماسية .. إتيكيت اللقاءات الصحفية والإعلامية «1»

26 أغسطس، 2026
  • About
  • Advertise
  • Privacy & Policy
  • Contact
Whatsapp : +96899060010

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In
No Result
View All Result
  • أخبار
    • الطقس
    • Oman News
  • مقالات
  • وظائف وتدريب
  • ثقافة وأدب
    • شعر
    • خواطر
    • قصص وروايات
    • مجلس الخليلي للشعر
  • تلفزيون
    • بث أرضي للقناة الرياضية
  • لا للشائعات
  • المنتديات

Copyright © 2024