د. صالح بن عبدالله الخمياسي.
انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي قصيدة بعنوان “عهد الوطن”، مهداة إلى أم الوطن، السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية حرم صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظهما الله و أغدق عليهما بعنايته و رعايته و لطفه.
قصيدة تعد واسطة عقد شاعرٍ عرفت الساحة الشعرية شعره الجزِل، هو الشاعر كامل البطحري، وقد أداها غناءً صوتٌ عذب ألفته الآذان وطربت لسماعه النفوس، هو صوت جمعة العريمي.
قصيدة تنضح بدفء مفرداتها، وتزخر بصورها الشعرية الجميلة وحبكتها التي نسجها خيال شاعرٍ سرى الشعر في شرايينه، وجرى في أوصاله، واستولى على لُبابه، وتجذر في سويداء قلبه.كيف لا، وشاعرها يمسك بناصية القصيد ويتربع على سنامه؛ يحيك المفردة تلو الأخرى، ويصف أبيات قصيدته بخطى متصاعدة، ليطل جمالها رويدًا رويدًا، وكأنها خيوط أشعة شمس تتسلل إلى الوجود، تخترق السحب لتضفي على الكون ضياءً وإشراقًا.
ويحيك شاعرنا المبدع كامل البطحري صوره الشعرية بعمق خياله وسعة نظرته، موظفًا التاريخ والجغرافيا والنسيج الثقافي والاجتماعي لعُمان، وهي تتكئ على إرث حضاري عريق وتاريخ تمتد جذوره إلى عمق الزمن، وعلى إنسان عُرف باتزانه وطيبة قلبه وترحابه بالضيف أينما حل ومتى ما وصل.
فكيف يكون حجم البهجة والحبور حين تستقبل محافظة ظفار أم الوطن وسيدة القوم، وهي تطل بإطلالتها البهية، فيزدان المكان، ويفرح الإنسان، وتتضافر مكونات البيئة من بحر وسهل وريف، مترنمةً جميعها بترحيبها بها؟
ويستهل شاعرنا البطحري قصيدته مخاطبًا أم الوطن:
في مقدمك يا أم الوطن زان الخريف
بالبسمة العذبة وبالجو اللطيف
هنا تحتفي القصيدة بالمقدم السامي للسيدة الجليلة، أم الوطن، التي كان قدومها السامي بمثابة بشارة خير واستهلال فرح، فازدان الخريف بها جمالًا وألقًا وروعة.
إنها، في الصورة التي يرسمها الشاعر، كالسراج الذي يبعث النور والأمان والبهجة في أرجاء المكان، فتغدو البسمة العذبة مرتسمة على وجوه الناس، بل تكاد تتطاير فرحًا وحبورًا، كما يحلق الطير في فضاء السماء معبرا عن فرحه بصوته الموسيقي المرح. وهكذا هو حال ظفار، بأهلها وقاطنيها، حين تستقبل ضيفتها الغالية.
ثم يقول:
وظفار زفت لك تراحيب تجوب
من البحر للسهل حتى كل ريف
فها هي ظفار قاطبة، على امتداد جغرافيتها واختلاف تضاريسها، تنتشي مرحبةً بأم الوطن. ويتضافر بحرها وسهلها وأريافها في عزف سيمفونية واحدة عنوانها الترحيب من قلب محب سره رؤية أمه.
إن الشاعر هنا لا يجعل الإنسان وحده مرحبًا، بل يجعل المكان ذاته ينطق بالترحيب؛ فالبحر والسهل والريف يتحولون إلى كائنات حية تشارك الإنسان فرحته.
ثم يرسم مشهدًا أكثر اتساعًا:
شوف الروابي والسحب غطت ظفار
واستبشرت بوصول من زار الديار
وكأن الطبيعة نفسها كانت على موعد مع هذه الزيارة. فالروابي الخضراء، والسحب المحملة بالمزن، التي اكتست بها ظفار، تتحول إلى رموز للفرح والاستبشار، فلطالما ظلت تنتظر إطلالة أم الوطن، لتعبّر عن شوقها للقائها وعودتها إلى الديار.
ثم يقول:
زانت بها أرض المفاخر بالجنوب
عهد الوطن عهد الفخر والازدهار
فيؤكد الشاعر أن حضورها أضفى على هذه الأرض، أرض المفاخر في جنوب عُمان، مزيدًا من الزينة والبهاء، ويجعل من عهد الوطن عنوانًا لمعنى أوسع؛ عهدٍ يرتبط بالفخر والازدهار والانتماء وعمان تمضي شامخةً عبر قطار نهضتها المتجددة.
ثم ينتقل الشاعر من المكان إلى الإنسان، ومن الاحتفاء بالزيارة إلى الاحتفاء بالمكانة:
عهد الجليلة يا وطن داخل وطن
يا قلب متسامح ويا كفوف عطن
ينتقل الشاعر هنا من وصف فرحة ظفار بقدوم السيدة الجليلة إلى الحديث عن مكانتها الرفيعة في القلوب عبر إتساع جغرافية الوطن.
ويعد قوله يا وطن داخل وطن ، صورة شعرية بليغة؛ و إبداعا شعريا وظف فيها المفردة لتضفي قيمة شعرية و جمال فني و سبك أدبي رائع فهي توحي بأن السيدة الجليلة تحمل في وجدانها وطنًا آخر، وطنًا من المحبة والعطاء والانتماء يعزز مكانتها و يجعلها تتربع في القلوب.
وحين يقول يا قلب متسامح ، فهو يرسم صورة لشخصية تتسع مشاعرها للجميع، ويجعل التسامح والعطاء جزءًا أصيلًا من تكوينها. وتأتي الكفوف رمزًا للأيدي التي تمتد بالخير والعطاء، فيدها لا تتوقف عن البذل.
ثم يقول:
يا من لها عهد موثق بالقلوب
يا خطوة مبروكة وعقل فطن
هنا يؤكد الشاعر أن علاقتها بالوطن ليست علاقة عابرة، وإنما عهد راسخ في القلوب، قائم على الوفاء والانتماء والمحبة كيف لا و طيبتها و عطفها و حنانها قد جذب لها القلوب فترسخ حبها لدى الجميع.
أما خطوة مباركة فتمشي بخطوات تحمل معها الخير والبركة أينما حلت، كما يصفها الشاعر بأنها صاحبة عقل فطن و ذلك لرجاحة عقلها و حكمتها وحسن تقديرها للأمور . ففي هذه الصورة الشعرية الجميلة يصفها الشاعر، بأنها شخصيةً تجمع بين العاطفة و المنطق فهي تمتاز بقلب محب وعقل واعٍ.
ثم يرفع الشاعر سقف الصورة الشعرية:
يا سيدة من سادة سادوا عمان
متفردة بحضور طاغي بالمكان
هنا يلجأ الشاعر للتاريخ و علم الإجتماع ليصف رفعة مكانتها فيبرز السيدة الجليلة ضمن كوكبة الشخصيات التي تركت أثرًا في مسيرة عُمان عبر أمتداد حقب التاريخ المتتالية. فهي بطلتها و هيبتها و كاريزما شخصيتها قد أصبحت ذات حضور ملموسا أينما حلت حفظها الله.
والحضور الطاغي الذي يشير إليه الشاعر هنا لا يقتصر على مجرد الحضور الجسدي، وإنما يشمل ذلك حضورها المعنوي والإنساني؛ حضور يلفت الأنظار، ويمنح المكان شعورًا خاصًا بالهيبة والفرح والاعتزاز. و الإلفة و الإطمئنان.
ثم يبلغ الشاعر ذروة الصورة الشعرية:
من جودها اللي منتشر في كل صوب
تمطر سحابة خير ويفوح اللبان
من أجمل الصور في القصيدة أن الشاعر يحوّل الجود إلى مطر؛ فعطاؤها لا يقف عند حد، وإنما ينتشر في كل صوب كما تتساقط قطرات المطر حين تهطل، فتروي الأرض وتبعث فيها الحياة من جديد.
ثم يجمع الشاعر بين صورتين ترتبطان ارتباطًا وثيقًا بظفار: المطر واللبان. فالمطر رمز للحياة والخير والنماء، واللبان رمز أصيل من رموز ظفار وعُمان، ارتبط بأرضها وتاريخها وذاكرتها.
وكأن حضورها في ظفار يجمع بين خير السماء وعطر الأرض؛ فكما تمطر السحابة خيرًا، يفيض عطاؤها بالمكرمات، وكما يفوح اللبان من أرض ظفار، يفوح من حضورها عبق الخير والعطاء و الحس الإنساني الحاني على الجميع.
ثم ينتقل الشاعر من السيدة الجليلة إلى المرأة العُمانية في صورة أوسع:
بعُمان كل السيدات الماجدات
تتفاخر بعزة وهيبة وبثبات
هنا نرى الشاعر يوظف مفردة بأن جعل السيدة الجليلة مصدر اعتزاز للمرأة العُمانية عمومًا. فالمرأة العُمانية، في نظره، تحمل إرثًا من العزة والهيبة والثبات، وهي شريكة في بناء الوطن وصناعة مستقبله، معتزة بهويتها وقيمها ومكانتها.
ثم يعود الشاعر إلى البحر، الذي تجلى في حضوره منذ بداية القصيدة، ليجعله رمزًا آخر لسعة العطاء:
بحر الكرم والبحر لا يمكن يروب
يا السيدة الأولى وينبع المكرمات
هنا يستخدم الشاعر البحر رمزًا لسعة الكرم؛ فكرمها ليس محدودًا ولا ينضب، بل هو كالبحر الممتد بلا نهاية.
وتأتي عبارة نبع المكرمات ، لتؤكد أن الخير والعطاء يتدفقان منها باستمرار؛ فهي في الصورة الشعرية بحرٌ في عطائها، ونبعٌ في مكرماتها.
ثم ينتقل الشاعر من الطبيعة إلى التاريخ:
وجه يبث الخير بالعهد الجديد
وإسم خلد ذكره بعهد البوسعيد
هنا تتسع الدلالة؛ فحضورها لا يرتبط بمشهد الزيارة فحسب، وإنما يصبح مرتبطًا بعهد جديد من النهضة المتجددةً والعمل والعطاء.
فالوجه ليس مجرد ملامح، وإنما رمز لما يحمله الحضور من رسالة وأمل وخير. أما الإشارة إلى عهد البوسعيد فتربطها هذه الصورة بتاريخ عُمان وامتداد مسيرتها، لتضع الحاضر في سياق تاريخي أرحب، عنوانه الاستمرارية والوفاء للإرث الوطني.
ثم يختتم الشاعر هذه السلسلة بقيمة الثبات:
حتى تبث الخير في كل الدروب
ما تنحني عن دربها ولا تحيد
وهنا يختتم الشاعر صورة العطاء بصورة الثبات على النهج.
فهي تمضي في طريقها دون تردد، ولا تنحني أمام الصعوبات، ولا تحيد عن دربها. والخير بالنسبة إليها ليس موقفًا عابرًا، وإنما درب اختارته، ورسالة تمضي فيها بثبات.
وهنا تصبح الخاتمة رسالة تنطلق من السيدة الجليلة لتشمل معنى وطني أوسع:
فالعطاء يحتاج إلى ثبات، والنهضة تحتاج إلى عزيمة، وخدمة الوطن تحتاج إلى الاستمرار، ومن اختار درب الخير لا ينبغي له أن يحيد عنه.
هكذا نجد أن أبيات القصيدة و صورها الشعرية الثرية ترسم صورة المشهد الذي جاءت فيه إطلالة السيدة الجليلة على ظفار كإطلالة الشمس البهية على الكون و هي ترسل خيوطها الذهبية الجميلة التي تبهج النفس. و من هنا نجد أن الخيط الذي يجمع هذه الأبيات الشعرية الجميلة هو قدرة الشاعر على بناء
هذه المقاطع على سلسلة متنامية من الصور والمعاني؛ فالصورة لا تنتهي عند بيت، وإنما تسلم نفسها إلى الصورة التي تليها.
فالمفردات التي إستخدمها مثل ظفار و السحاب و المطر و الروابي و اللبان و الجود و الكرم و ذكره للمرأة العُمانية و الوطن و العطاء وًالثبات.هذه المفردات ليست مفردات متجاورة فحسب، بل رحلة شعرية متصاعدة؛ فالمطر يقود إلى الخير، والخير يقود إلى الجود، والجود يقود إلى الكرم، والكرم يقود إلى المكرمات، ثم تتسع الدائرة لتصل إلى المرأة العُمانية، ومنها إلى الوطن، قبل أن تستقر أخيرًا عند قيمة الثبات على درب العطاء.وبذلك لا يقدم الشاعر السيدة الجليلة كشخصية حاضرة في مناسبة فحسب، بل يجعل حضورها رمزًا للخير والعطاء والوفاء والانتماء للوطن.
وفي المقابل، لا يجعل ظفار مجرد مسرح للقصيدة، وإنما يجعلها شريكًا في الاحتفاء بها؛ فالبحر والسهل والريف والروابي والسحب والمطر واللبان تتحول جميعها إلى جوقة شعرية واحدة، تعزف لحن الترحيب و الإحتفاء و البهجة بقدوم أم الوطن و سيدته الجليلة.
وكأن شاعرنا يبدأ في حياكةً و تطريز درته النفيسة المهداة لأم الوطن من محافظة ظفار وينتهي إلى رسم مكانتها في قلوب أهل عُمان قاطبة؛ يبدأ بالطبيعة وينتهي بالقيمة؛ يبدأ بالمطر وينتهي بالعطاء؛ ويجعل من فرحة المكان بقدوم السيدة الجليلة لوحةً تتعانق فيها الأرض والإنسان والتاريخ والوطن في ملحمةً الترحيب و الاستبشار بعودة عهد الوطن كحكاية قصيدةً تمطر حبا تفوح بين ثناياه رائحة اللبان معطرا المكان إستئناسا و بشرى بل بهجة عارمة لقدوم الأم إلى أبناءها لتعم الفرحة أرجاء البيت الكبير و تخيم في القلوب السكينة و الأمان. حفظ الله السيدة الجليلة وطنا داخل وطنا و عهدا جديدا للفخر و الإزدهار.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية و التميز الشخصي.






