لم يعد حضور الفقه الإسلامي في الاقتصاد الحديث مقتصراً على إصدار الفتاوى بشأن جواز المعاملات المالية أو تحريمها، بل أصبح في بعض التجارب جزءاً من بنية قانونية ومؤسسية متكاملة تتداخل فيها قواعد الشريعة مع التشريعات المصرفية والرقابة المالية والحوكمة المؤسسية واختصاصات القضاء، وتبرز ماليزيا بوصفها إحدى التجارب الأكثر وضوحاً في هذا المجال، إذ عملت على تحويل الامتثال الشرعي من التزام ديني وأخلاقي تتبناه المؤسسة المالية إلى منظومة من المسؤوليات والإجراءات والضوابط التي تحكم تصميم المنتجات المالية وتنفيذها ومراجعتها، وتحدد الجهات المخولة بتفسير الأحكام الشرعية ذات الصلة بالتمويل، وآليات التعامل مع المخالفات، والمرجعية التي يُرجع إليها عند نشوء نزاع قانوني يتصل بطبيعة المعاملة أو مدى توافقها مع الشريعة.
وتنبع أهمية هذه التجربة من أنها تطرح سؤالاً يتجاوز حدود المصارف الإسلامية إلى طبيعة العلاقة بين الفقه والقانون في الدولة الحديثة، فكيف يمكن تحويل أحكام اجتهادية نشأت في سياقات فقهية متعددة إلى قواعد واضحة تحكم معاملات مالية معقدة، من دون إفراغها من مضمونها الشرعي أو تجاهل حاجات الأسواق إلى الاستقرار والسرعة واليقين القانوني؟ وكيف يمكن توزيع الاختصاص بين العلماء والجهات التنظيمية والإدارات المصرفية والقضاة، بحيث لا تتحول الرقابة الشرعية إلى رأي استشاري منفصل عن القرار الاقتصادي، ولا تتجاوز في الوقت نفسه حدودها لتصبح بديلاً عن سلطات التنظيم والقضاء؟ في الحالة الماليزية، لم تترك الدولة هذه الأسئلة لاجتهاد كل مصرف على حدة، بل بنت إطاراً قانونياً يحدد المرجعيات ويضع مسؤوليات واضحة على المؤسسات المالية، لتصبح التجربة نموذجاً يستحق الدراسة من زاوية التشريع والحوكمة وتطور المؤسسات، لا من زاوية انتشار الخدمات المصرفية الإسلامية وحدها.
ويكتسب تناول ماليزيا أهمية خاصة في سياق توثيق التجارب القانونية التي أعادت صياغة العلاقة بين التراث الفقهي والمؤسسات الحديثة، وتعريف الأجيال الجديدة بنموذج لم يتعامل مع الفقه بوصفه مادة تاريخية منفصلة عن الاقتصاد، بل بوصفه مصدراً للأحكام التي يمكن تنظيم تطبيقها داخل نظام مالي معاصر، وتتيح دراسة هذه التجربة فهم الكيفية التي تتغير بها وظيفة الفقه عندما ينتقل من مجال التأليف والاجتهاد الفردي إلى مجال السياسات العامة والرقابة المصرفية والعقود التجارية، كما تكشف أن نجاح أي نموذج للتمويل الإسلامي لا يعتمد على وجود علماء يصدرون الأحكام فحسب، بل يتطلب مؤسسات قادرة على ترجمة تلك الأحكام إلى قواعد قابلة للتطبيق والمراجعة والمساءلة، وهو ما يجعل التجربة الماليزية موضوعاً مهماً للتوثيق القانوني والاقتصادي، مع ضرورة التمييز بين ما أنجزته من تنظيم مؤسسي وما لا يزال مطروحاً من أسئلة حول العدالة المالية وتحقيق مقاصد الشريعة.
بدأ بناء المنظومة الماليزية الحديثة للتمويل الإسلامي يتبلور مع تأسيس بنك إسلام ماليزيا عام 1983، في خطوة دشنت مرحلة جديدة من تطوير الخدمات المصرفية المتوافقة مع الشريعة ضمن بيئة مالية تخضع للتنظيم العام للدولة، ولم تتعامل السلطات الماليزية مع المصارف الإسلامية باعتبارها كيانات معزولة عن النظام المصرفي، بل اتجهت تدريجياً إلى تطوير تشريعات وآليات رقابية تسمح بنمو هذا القطاع وتحدد علاقته بالبنك المركزي وبقية المؤسسات المالية، ثم تعزز هذا المسار مع إنشاء المجلس الاستشاري الشرعي لدى بنك نغارا ماليزيا في مايو 1997، ليصبح المرجعية العليا للمسائل الشرعية المتعلقة بالأعمال المالية الإسلامية الخاضعة لإشراف البنك المركزي، وشكلت هذه الخطوة تحولاً مهماً من تعدد المرجعيات التي يمكن أن تتبناها المؤسسات بصورة منفصلة إلى وجود جهة مركزية تسهم في توحيد الأحكام وتعزيز الاتساق في تطبيقها داخل القطاع المالي.
وجاء قانون البنك المركزي الماليزي لعام 2009 ليعزز الدور القانوني للمجلس الاستشاري الشرعي، إذ منحه مكانة مرجعية في تحديد الأحكام الشرعية لأغراض الأعمال المالية الإسلامية الداخلة ضمن نطاق اختصاصه، وربط بين اختصاصه في المسائل الشرعية وبين عمل المحاكم وهيئات التحكيم عندما تثار أمامها مسائل تتصل بالتمويل الإسلامي، ووفقاً للإطار الرسمي الذي يعرضه بنك نغارا ماليزيا، يتعين الرجوع إلى المجلس لطلب الإيضاح في المسائل الشرعية ذات الصلة بالإجراءات القضائية والتحكيمية، وتكون قراراته ملزمة في هذا النطاق، كما تتقدم أحكامه على القرارات المتعارضة الصادرة عن هيئات أو لجان شرعية أخرى داخل ماليزيا، وبذلك لم يعد المجلس مجرد لجنة تقدم رأياً للبنك المركزي، بل أصبح جزءاً من البناء القانوني الذي يحدد المرجعية الشرعية للقطاع المالي الإسلامي ويحد من التناقض بين القرارات التي قد تؤثر في منتجات متشابهة أو معاملات متقاربة.
وتعزز هذا البناء مع صدور قانون الخدمات المالية الإسلامية لعام 2013، الذي دخل حيز النفاذ في 30 يونيو من العام نفسه، ووضع إطاراً لتنظيم المؤسسات المالية الإسلامية والإشراف عليها، إلى جانب تنظيم جوانب من أنظمة الدفع والسوق النقدية وسوق الصرف الأجنبي ذات الصلة، مع النص على تعزيز الاستقرار المالي والامتثال للشريعة، وتكمن أهمية هذا القانون في أنه نقل الامتثال الشرعي إلى صلب الالتزامات التنظيمية للمؤسسات الخاضعة له، فلم يعد الأمر مجرد تعهد من المصرف بأن منتجاته متوافقة مع الأحكام الشرعية، بل أصبح جزءاً من الإطار الذي تعمل ضمنه المؤسسة وتتحمل في نطاقه مسؤوليات قانونية ورقابية، وهذا التمييز أساسي لفهم التجربة الماليزية، لأن الفتوى تحدد الحكم الشرعي، بينما يحدد القانون كيفية إدماج هذا الحكم في عمل المؤسسة وآليات الإشراف عليه والنتائج التي يمكن أن تترتب على الإخلال بالالتزامات المقررة.
ويقوم النظام الماليزي على مستويين متكاملين للحوكمة الشرعية، أولهما المستوى المركزي الذي يمثله المجلس الاستشاري الشرعي لدى البنك المركزي، وثانيهما المستوى المؤسسي الذي تمثله اللجان الشرعية داخل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، فعلى المستوى المركزي، يعمل المجلس على تحديد المبادئ الشرعية للعقود المالية وتوضيح المسائل التي تحتاج إلى مرجعية موحدة، ويستند في عمله إلى البحث الفقهي والخبرة القانونية والمعرفة بالاقتصاد والتمويل والممارسات السوقية، ولا تقتصر وظيفته على إصدار أحكام عامة، بل يوفر الأساس الشرعي الذي يمكن بناء الأطر التنظيمية القائمة على العقود الإسلامية عليه، أما على مستوى المؤسسة، فتتولى اللجنة الشرعية دراسة المنتجات المقترحة ومراجعة العقود والعمليات والتأكد من توافقها مع المتطلبات الشرعية ذات الصلة، وتعمل بالتكامل مع مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية ووحدات الامتثال والتدقيق والمخاطر، بما يجعل مسؤولية الامتثال موزعة داخل المؤسسة ولا يحصرها في رأي اللجنة الشرعية وحده.
وتتضح أهمية هذا التوزيع عندما ندرس كيفية تطوير منتج مالي جديد، فالمصرف لا يستطيع الاكتفاء بتسمية المنتج باسم عقد شرعي، بل يتعين عليه تحديد طبيعة العلاقة التعاقدية بين الأطراف، وحقوق كل طرف والتزاماته، وكيفية انتقال الملكية أو تحمل المخاطر، وطريقة احتساب العائد، والإجراءات التي ستتبع عند التعثر أو الإخلال بالعقد، ثم تخضع هذه العناصر للمراجعة الشرعية والتنظيمية بحسب طبيعة المنتج والضوابط المعمول بها، وتظهر هنا أهمية الفصل بين الشكل القانوني والمضمون الاقتصادي، لأن توافق العقد مع الشريعة لا يتحقق بمجرد استخدام مصطلحات مثل المرابحة أو الإجارة أو المشاركة، بل يتطلب أن تكون المعاملة الفعلية مستوفية للشروط التي يقوم عليها العقد، وأن تتطابق المستندات مع العمليات التي تنفذها المؤسسة في الواقع، ومن ثم فإن الرقابة الشرعية الفعالة لا تقتصر على مراجعة الوثائق قبل إطلاق المنتج، بل تمتد إلى متابعة تنفيذه والتحقق من عدم انحراف الممارسة العملية عن الأساس الذي حصل على الموافقة.
وتشكل وثيقة حوكمة الشريعة التي أصدرها بنك نغارا ماليزيا في 20 سبتمبر 2019، ودخلت حيز النفاذ في الأول من أبريل 2020، إحدى المحطات المهمة في تطوير هذا النظام، إذ استهدفت تعزيز فاعلية تطبيق الحوكمة الشرعية وزيادة دمج الاعتبارات الشرعية في استراتيجيات الأعمال وإدارة المخاطر لدى المؤسسات المالية الإسلامية، ويعكس هذا التوجه فهماً مؤسسياً أوسع للامتثال، يقوم على أن المسألة الشرعية ليست مراجعة نهائية تضاف إلى المنتج بعد تصميمه، بل ينبغي أن تكون حاضرة منذ مرحلة اتخاذ القرار وتحديد نموذج العمل وتوزيع المسؤوليات وتقييم المخاطر، كما يضع هذا النهج أهمية خاصة لاستقلال اللجان الشرعية وكفاءة أعضائها وتوافر المعلومات اللازمة أمامهم وقدرتهم على متابعة التطبيق، لأن فعالية الرقابة تتراجع إذا كان دور الهيئة شكلياً أو إذا لم تكن لديها القدرة على فحص العمليات التي تصادق عليها.
ولا يمكن فهم المنظومة الماليزية من دون التمييز بين الوظائف المختلفة التي تؤديها مؤسساتها، فالمجلس الاستشاري الشرعي يحدد المرجعية الشرعية في المسائل الداخلة ضمن اختصاصه، والبنك المركزي يتولى تنظيم القطاع المالي والإشراف الاحترازي على المؤسسات الخاضعة له، واللجان الشرعية داخل المصارف تراجع المنتجات والعمليات في إطار الحوكمة المؤسسية، بينما تبقى المسؤولية عن إدارة المؤسسة والقرارات التجارية والالتزامات التعاقدية موزعة وفق القانون على مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية والجهات المعنية، ولا يعني وجود هيئة شرعية أن المؤسسة أصبحت معفاة من قواعد حماية العملاء أو متطلبات الإفصاح أو ضوابط رأس المال وإدارة المخاطر، كما لا يعني توافق المنتج مع الشريعة أن مخاطره المالية أو التجارية قد اختفت، فهذه مسائل مختلفة ينبغي التعامل معها بأدوات رقابية متكاملة، ويكشف ذلك أن التمويل الإسلامي المنظم لا يقوم على استبدال القانون بالفتوى، بل على بناء علاقة محددة بين المرجعية الشرعية والقواعد القانونية والرقابة المالية.
وتظهر أهمية هذه البنية أيضاً في المجال القضائي، حيث يمكن أن تنشأ نزاعات حول تفسير عقد تمويل إسلامي أو تحديد طبيعة التزام أحد الأطراف أو مدى توافق إجراء معين مع الأحكام الشرعية، وفي مثل هذه الحالات ينبغي التمييز بين السؤال الشرعي المتخصص وبين النزاع القانوني بكامل عناصره، فالمجلس الاستشاري الشرعي يقدم المرجعية في المسألة الشرعية التي يحال إليه النظر فيها وفق القانون، لكنه لا يحل محل المحكمة في فحص الوقائع وتقدير الأدلة وتحديد المسؤولية وتطبيق الأحكام القانونية على النزاع، كما أن إحالة المسألة الشرعية إلى جهة متخصصة لا تعني بالضرورة أن كل جوانب النزاع تصبح من اختصاصها، بل إن الغاية هي الحد من تضارب الأحكام الشرعية في القضايا المالية وتعزيز اليقين القانوني، مع إبقاء الفصل في الحقوق والالتزامات ضمن الإطار القضائي المختص، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المعاملات المعقدة التي تتداخل فيها شروط العقد والضمانات والملكية والتعثر، إذ قد يؤدي اختلاف المرجعية الشرعية إلى آثار تتجاوز النقاش الفقهي لتؤثر في استقرار العقود وتوقعات المستثمرين والمؤسسات.
ومن أبرز ما يميز التجربة الماليزية اعتمادها مرجعية شرعية مركزية ذات سند قانوني واضح، في مقابل نماذج تمنح الهيئات الشرعية داخل المؤسسات مساحة أكبر من الاستقلال في إصدار الأحكام، مع تفاوت مستوى التنسيق المركزي من دولة إلى أخرى، ولا يعني ذلك أن جميع دول الخليج تتبع نظاماً واحداً أو أن التجربة الماليزية تخلو من الاختلافات الداخلية، بل إن البنى التنظيمية تتباين بحسب التشريعات الوطنية وتاريخ تطور المصارف الإسلامية وطبيعة العلاقة بين الجهات الدينية والمالية، كما تختلف التجربة البريطانية عن النموذج الماليزي، إذ يجري تنظيم المؤسسات المالية المتوافقة مع الشريعة ضمن إطار النظام المالي العام، من دون وجود مجلس شرعي مركزي مماثل للمجلس الماليزي يتمتع بالاختصاص ذاته، وتساعد هذه المقارنة على إظهار أن الاختلاف الجوهري لا يكمن فقط في وجود لجان شرعية أو غيابها، بل في موقعها داخل النظام القانوني، ومدى إلزام قراراتها، وآليات مساءلتها، وطبيعة علاقتها بالجهات التنظيمية والقضاء.
وقد ساعد وضوح المرجعية الشرعية وتطور البيئة التنظيمية على دعم تنوع المنتجات المالية الإسلامية في ماليزيا، بما في ذلك التمويل القائم على المرابحة والإجارة والمشاركة والمضاربة، إلى جانب تطوير سوق الصكوك والتأمين التكافلي وأدوات إدارة السيولة، غير أن نجاح هذه المنتجات يتطلب النظر إلى كل عقد وفق بنيته الفعلية، فالمرابحة تقوم على بيع سلعة بثمن معلوم يتضمن هامش ربح، والإجارة تقوم على منفعة أصل مقابل أجرة، بينما ترتبط المشاركة والمضاربة بصيغ مختلفة لتوزيع رأس المال والجهد والعائد والمخاطر، ولا يكفي أن تحمل المنتجات هذه الأسماء حتى تصبح متوافقة مع الشريعة، بل ينبغي أن تستوفي متطلبات كل عقد وأن تعكس المستندات والعمليات الحقوق والالتزامات التي يقوم عليها، كما يتطلب تطوير الأسواق وجود بنية قانونية واضحة بشأن الملكية والتوثيق والتنفيذ والضمانات والتعثر، إلى جانب الرقابة الشرعية والاحترازية، ومن هنا فإن تجربة ماليزيا لا تتمثل في اختراع عقود فقهية جديدة بقدر ما تتمثل في بناء منظومة مؤسسية تسمح بتطبيق العقود وتطويرها ضمن سوق مالي منظم.
ومع ذلك، لا ينبغي تقديم التجربة الماليزية باعتبارها نموذجاً مكتملاً خالياً من التحديات، فالرقابة المركزية قد تساعد على توحيد المرجعية والحد من التناقض، لكنها تثير في المقابل أسئلة بشأن كيفية الحفاظ على مساحة الاجتهاد والتطوير، وكيفية التعامل مع المنتجات المستجدة التي لا تكفي فيها الحلول التقليدية، كما أن وجود لجان شرعية داخل المؤسسات يطرح مسألة الاستقلال وتضارب المصالح المحتمل، خصوصاً عندما تعتمد اللجان في عملها على المؤسسة التي تراجع منتجاتها، وتظهر تحديات أخرى تتعلق بمدى وضوح الإفصاح للعملاء، وقدرتهم على فهم طبيعة العقود والمخاطر التي يتحملونها، وفاعلية الإجراءات المتبعة عند اكتشاف عدم الامتثال الشرعي، وما إذا كانت المعالجة تقتصر على تصحيح الإجراءات أم تمتد إلى معالجة الآثار المالية المترتبة على المخالفة، وهذه الأسئلة لا تنفي أهمية التجربة، بل تضعها في إطارها الصحيح بوصفها نظاماً قانونياً قابلاً للتطوير والتقييم المستمر.
ويظل السؤال الأعمق متعلقاً بالفارق بين الامتثال الشكلي وتحقيق المقاصد الاقتصادية والأخلاقية للتمويل الإسلامي، فقد يكون العقد مستوفياً للمتطلبات الشرعية من الناحية القانونية، لكن ذلك لا يحسم وحده ما إذا كانت المعاملة قد أسهمت في توسيع فرص التمويل العادل أو تقاسم المخاطر أو حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية، كما أن التمويل الإسلامي يعمل داخل أسواق تتأثر بالمنافسة والسيولة والتكلفة والضوابط الاحترازية، وهو ما يجعل التحدي الحقيقي هو التوفيق بين سلامة البنية الشرعية وكفاءة المنتج وقدرته على خدمة الاقتصاد، ومن هنا تبرز أهمية تطوير الرقابة لتشمل جودة التطبيق والشفافية والحوكمة وحماية المستهلك، لا الاكتفاء بإقرار العقود عند تصميمها، فالثقة في التمويل الإسلامي لا تتأسس على المرجعية الشرعية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات موثوقة وقواعد قابلة للتنفيذ وإجراءات واضحة للمساءلة والتعويض عند الإخلال بالالتزامات.
إن التجربة الماليزية تقدم درساً مهماً في كيفية انتقال الفقه الإسلامي من مجال الأحكام النظرية إلى مجال التنظيم المؤسسي، عبر تحديد مرجعية شرعية مركزية، وإقرار تشريعات تنظم الخدمات المالية الإسلامية، وفرض حوكمة داخلية تدمج الاعتبارات الشرعية في عمل المؤسسات، وربط المسائل الشرعية ذات الصلة بالنزاعات المالية بآليات قانونية واضحة، لكن قيمتها لا تكمن في إمكانية نقلها حرفياً إلى دول أخرى، لأن نجاح أي تجربة يرتبط بطبيعة النظام القانوني والقدرة المؤسسية والخبرة الرقابية والبيئة الاقتصادية التي تعمل ضمنها، بل في أنها تكشف أن إدماج الفقه في صناعة المال يحتاج إلى أكثر من إصدار الأحكام، ويتطلب بناء منظومة تحدد من يفسرها ومن يطبقها ومن يراقبها ومن يحسم النزاع بشأنها، وبين هذه المستويات تتحدد قدرة النظام على الجمع بين الثبات الشرعي والتطور الاقتصادي.
ومن هنا تستحق ماليزيا أن تُدرس بوصفها تجربة في صناعة العلاقة بين الفقه والقانون، لا مجرد قصة نجاح مصرفي، فهي تفتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود سلطة المرجعية الشرعية في الدولة الحديثة، وعلاقة الاجتهاد بالتشريع، ودور القضاء في حماية العقود، ومسؤولية المؤسسات عن تحويل الالتزامات الشرعية إلى ممارسة فعلية، كما تطرح على الأجيال الجديدة سؤالاً يتجاوز وصف التجربة إلى تقييمها: هل يكفي أن تنجح الدولة في تنظيم الامتثال الشرعي داخل القطاع المالي، أم أن المعيار الأبعد هو قدرتها على تحويل هذا التنظيم إلى تمويل أكثر عدالة وشفافية وقدرة على خدمة الاقتصاد الحقيقي؟
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان/ مستشار قانوني – الكويت








