د. صالح بن عبدالله الخمياسي
تطل علينا الكاتبة أمل الجابرية بإصدارها الأول “نحو حياة أجمل”، لتهدينا نافذة نطل منها على الحياة، لكي نتأمل من خلالها بتدبر وعمق، لندرك ما الذي يجعلنا نرى الحياة بمنظور أكثر إشراقاً و جمالًا؟ ولكي تصل الكاتبة إلى الإجابة، كان عليها أن تهدينا رحيق تجربتها و قراءاتها و حكمتها وهي تعبر محطات الحياة واحدة تلو الأخرى كالنحلة التي تتنقل بين الزهور لتستخلص رحيق تلك التجارب في سعيها للحصول على تلك الإجابة.
لقد وُفِّقت المؤلفة في اختيار عنوان يثير التشويق ويؤجج الفضول المعرفي لكتابها ، حين اختارت “نحو حياة أجمل” عنوانًا له، فهي تعكس من خلاله خلاصة قراءاتها ورحيق تجاربها في الحياة بإسلوب سهل ممتنع شيق مطرز بالعديد من القصص حقق أبطالها النجاح و كافحوا من أجله عندما أيقنوا أنهم ربابنة سفنهم و أن حياتهم هي مسؤوليتهم في المقام الأول . و أن عليهم أن ينظروا للحياة بعدسة إيجابية. نعم لابد لهم من تغذية العقل الباطن بحوارات و مفردات إيجابية لكي تغدو نظرتهم للحياة وضاءة ينبعث منها الأمل.
لقد أهدت الجابرية للقراء من خلال إصدارها وصفة عملية يستطيع الفرد أن يطبقها بيسر وهو يبحر في مسارات الحياة، بحثا عن حياة أجمل. والنظر للحياة بإيجابية مهما بلغت التحديات كما يتجلى في قول الشاعر إيليا أبو ماضي:
أَيُّهَا الشَّاكِي وَمَا بِكَ دَاءٌ
كُنْ جَمِيلًا تَرَ الْوُجُودَ جَمِيلَ
ليس من السهل أن تكتب عن السعادة، ولا أن تقدم وصفة جاهزة لحياة أجمل، فالحياة أعقد من أن تختزل في مجموعة من النصائح. إلا أن الكاتبة أمل الجابرية في هذا الإصدار لا تدّعي امتلاك الوصفة، بل تصحب القارئ في رحلة هادئة من التأمل والمراجعة، مستخلصة من تجارب الحياة ومن الفكر الإيجابي والبعد الروحي ما يشبه البوصلة التي تساعد الإنسان على إعادة اكتشاف ذاته.
يركز الكتاب على دعوته المتواصلة إلى أن التغيير الحقيقي الذي يترك أثره في حياتنا يبدأ من الداخل. فالحياة، كما تؤكد الكاتبة، ليست رهينة الظروف بقدر ما هي انعكاس للأفكار والمعتقدات التي يحملها الإنسان. لذلك تدعو الفرد منا إلى تحمل مسؤولية الأفكار قبل الأفعال، وإلى مراجعة المعتقدات المقيدة التي تكبل الطموح، واستبدالها بأفكار أكثر إيجابية، تدعمها التوكيدات اليومية، والتأمل، والوعي و الإستمتاع باللحظة الحاضرة.
ولا تتوقف الرسالة عند حدود التفكير الإيجابي، بل تمتد إلى بناء علاقة أكثر انسجامًا مع الذات. فالكتاب يحث القارئ على أن يسعى إلى تصميم نسخته الأفضل في هذه الحياة، لا أن يعيش نسخة مستعارة من الآخرين، وأن يقيس تقدمه بما كان عليه بالأمس، لا بما يحققه الناس من حوله. إنها دعوة إلى التحرر من المقارنات، والإنصات إلى القلب والحدس، والإيمان بأن لكل إنسان طريقه المختلف.
ومن أكثر الأفكار حضورًا في الكتاب أن التغيير ليس حدثًا عابرًا، بل سنة من سنن الحياة. فالكاتبة تستند إلى قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ لتؤكد أن التحول الحقيقي يبدأ عندما يغيّر الإنسان طريقة تفكيره، ويختار بوعي مسارًا جديدًا. فالتغيير ليس مجرد رغبة، بل ممارسة يومية، وخطوات صغيرة متكررة، واستمرارية لا تنقطع، لأن النجاح لا تصنعه القفزات الكبيرة، وإنما العادات الصغيرة التي تتراكم مع الزمن ليغدو التميز من خلالها عادة كما قال أرسطو .
وفي ثنايا الكتاب تحضر قيمة الامتنان بوصفها مفتاحًا للنظر إلى الحياة بعين الوفرة لا بعين الندرة. فالكاتبة تدعو إلى أن يبدأ الإنسان يومه بالشكر وينهيه بالشكر، وأن يرى في التحديات فرصًا للنمو، وفي كل موقف درسًا يستحق الامتنان. كما تربط بين الامتنان والإيمان، مؤكدة أن العلاقة الوثيقة بالله هي المصدر الحقيقي للسكينة والطمأنينة، وأن السلام الداخلي لا يتحقق إلا عندما تتوازن الروح مع الفكر والعمل.
ولا يغفل الكتاب عن الجانب الإنساني والاجتماعي، إذ يلفت النظر إلى أن جودة الحياة لا تقاس فقط بالإنجازات، وإنما أيضًا بجودة العلاقات. فالإنصات للآخرين، وتقبل اختلافهم، واستثمار الوقت في الأهل والأصدقاء، كلها ليست سلوكيات اجتماعية فحسب، بل وسائل لبناء حياة أكثر ثراءً واتزانًا. فالآخر، في رؤية الكاتبة، مرآة تعكس كثيرًا مما يدور في داخلنا.
كما يمنح الكتاب مساحة واسعة للحديث عن الأهداف والطموح، لكنه يرفض أن تكون الغاية منفصلة عن القيم. فالأهداف ينبغي أن تنبع من قناعة الإنسان، وأن تتوافق مع رسالته في الحياة، وأن يفرح في أثناء السعي إليها لا بعد الوصول فقط. لذلك تكرر الكاتبة فكرة أن السعادة ليست محطة نهائية، بل أسلوب حياة يرافق الإنسان في رحلته.
ومن أجمل ما يميز الكتاب أنه لا يقدم النصائح في صورة أوامر جافة، بل في صورة وصايا قصيرة تحمل حكمة عملية يمكن للقارئ أن يطبقها في حياته اليومية: كن مسؤولًا عن أفكارك، احتفل بالتفاصيل الصغيرة، تعلم فن التجاهل، اطلب المساعدة ولا تخجل من الأخذ، كن كريمًا بحكمة، استثمر في نفسك، وابق منفتحًا للفرص. إنها وصايا متفرقة في ظاهرها، لكنها تلتقي جميعًا عند فكرة واحدة: أن الإنسان هو صانع حياته.
وفي خاتمة الرحلة، يترك الكتاب القارئ أمام رسالة واضحة مفادها أن الحياة الأجمل ليست تلك التي تخلو من الصعوبات، وإنما تلك التي نملك فيها القدرة على إدارة أفكارنا، وتوجيه مشاعرنا، وبناء عاداتنا، وتعميق علاقتنا بالله، والعيش بامتنان ووعي ومحبة. ولعل اختيار الكاتبة لاقتباس جيم رون: “النجاح ليس شيئًا تسعى إليه، بل هو شيء تجذبه من خلال الشخص الذي تصبح عليه” يلخص فلسفة الكتاب كلها؛ فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، وإنما من داخل الإنسان نفسه.
إن كتاب “نحو حياة أجمل” ليس كتابًا للقراءة السريعة، بل هو للقراءةً التأمليّة المتأنية. لقد أعدته الكاتبة ليرافقنا بشكل يومي و لكي نلجأ اليه و نستمد منه الإجابات على ما يتبادر إلى أذهاننا من تساؤلات ، فهو يذكّر القارئ بأن أجمل رحلة يمكن أن يخوضها الإنسان هي رحلة بناء ذاته، وأن الحياة تصبح أجمل عندما نتعلم كيف نعيشها بوعي، وإيمان، وامتنان، ومسؤولية.
إن قارئ هذا الكتاب الذي يمتاز بغلاف صمم بعناية فائقة ليكون بوابة للجمال و التشويق. يستشف أن الكتاب لا يحتوي على مجرد نصائح متناثرة، بل يحمل في محتواه الذي يقع في إحدى و تسعين صفحة ، رؤية متكاملة ترى أن جمال الحياة ليس هبة ننتظرها، وإنما اختيار نصنعه كل يوم لنحيا حياتنا الأجمل التي تتسم بالسكينة و الإيمان و الإمتنان و النظر إلى النصف المليئ من الكوب لا الامتعاض لأن نصفه فارغ. لذا نجد أن أمل الجابرية تهمس لنا قائلة كن جميلا لكي ترى الوجود جميلا. و تذكرنا و نحن نسعى نحو الحياة الأجمل التي ننشدها أن الحياة مليئة بالتحديات التي يجب أن نواجهها بقوة الإرادة و تحمل المسؤولية و فسحة الأمل فالعتمةً لا بد لها أن تنجلي و الشمس لابد لها أن تشرق لتضفي على حياتنا الجمال المنشود.
————————————————————
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية و التغيير الشخصي.






