د. صالح بن عبدالله الخمياسي
بينما كنا نتجول، نظرت إلى محمد وقلت أتعلم ماذا؟ فردّ عليّ بعفويته المعتادة ماذا؟، وكأن الكلمة كانت محاصرة منذ فترة طويلة تنتظر اللحظة المناسبة للهروب. قلت: لقد لاحظت أنه كلما تخطر كلمة القيادة على بال معظم الناس، يتجه تفكيرهم فوراً إلى قيادة الآخرين. ومع ذلك، وقبل أن يتمكن أي شخص من قيادة الآخرين بفعالية، ينبغي عليه أن يتعلم كيف يكون فعالا في قيادته لذاته، فكما أشار بيتر دراكر إلى أن الفعالية أمر يمكن تعلمه».
تُفاجأ صديقي محمد و رد : ولكن أليس هذا هو الواقع بالفعل؟ أليس الجميع يقودون أنفسهم بالأساس؟ فأجبت: أنت محق تماماً. ولكن السؤال الحقيقي هو ما مدى فعاليتنا في قيادة ذاتنا؟ نظر إليّ وكأنني قلت شيئاً عميقاً، وبعد صمت قصير قال لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل. أعتقد أنك على حق، ولكن ما الذي نقوده تحديداً عندما نقود ذاتنا؟ قلت له هذا سؤال جيد يا صديقي، دعني أُبسط لك الإجابة. القيادة الذاتية لا تعني التحكم في كل جانب من جوانب الحياة، بل هي التوجيه المتعمد لأفكارنا، ومشاعرنا، واتجاهاتنا، وقراراتنا، وعاداتنا، وأفعالنا نحو الشخص الذي نطمح أن نكونه. إنها تعني وضع أهداف ذات معنى، والتركيز العالي لتحقيقها، ورفض السماح للمشتتات بتحديد مستقبلنا.
وهو أمر ذو أهمية بالغة للشباب أيضاً؛ سواء كانوا طلاباً جامعيين يستعدون لمستقبلهم، أو خريجين يبحثون عن فرصة عمل، أو موظفين يسعون لإضافة قيمة لمؤسساتهم، أو رواد أعمال يطاردون أحلامهم، أو متطوعين يسعون لإحداث أثر إيجابي في مجتمعهم. إن ميزتك الكبرى ليست مجرد معرفتك أو موهبتك، بل هي قدرتك على قيادة ذاتك بثبات واستمرارية.
دعني أقص عليك حكاية عبد الله وسعيد، وهما أخوان توأمان يسكنان في حارتنا. ترعرعا في العائلة واحده ، و قام بتربيتهما ذات الأم و الأب ودرسا في المدارس ذاتها، ووهبا مواهب وفرصاً متماثلة. من الظاهر، لم يكن هناك ما يميز أحدهما عن الآخر، ولكن مع مرور الزمن، بدأت حياتهما تختلف.
تعلم عبد الله كيف يقود نفسه؛ فوضع أهدافاً واضحة، وأدار وقته بحكمة، وضبط مشاعره، وتحمل مسؤولية خياراته. لم يكن مثالياً، بل على العكس، تعثر وارتكب الأخطاء وواجه العقبات، لكن كل تجربة كانت تتحول إلى درس بدلاً من أن تكون ذريعة للإحباط والاستسلام. ومع مرور الوقت، تراكمت قراراته الصغيرة والمستمرة لتتحول إلى نتائج باهرة. وثق الناس به، وأقبلت عليه الفرص، ونمت ثقته بنفسه لأنها كانت مبنية على تعلم كيفية قيادة الذات بدلاً من ترك الظروف السائدة تشكل مصيره.
على الجانب الآخر، انجرف شقيقه سعيد في الحياة؛ فسمح للمشتتات أن تملي عليه أولوياته، وللمشاعر أن تحكم قراراته، وللظروف أن تصيغ مستقبله.استسلم للتسويف، وظل يؤجل المهام المهمة، وكلما ساءت الأمور ألقى باللوم على عوامل خارجية، متجنباً تحمّل مسؤوليته، ومعتمداً على الحافز الخارجي ليستعيد توازنه، بدلاً من بناء الانضباط الذاتي الذي يدفعه إلى المبادرة و العمل حتى عندما يغيب الحافز.
ورغم أنه، كان يمتلك الموهبة والإمكانات مثل أخيه، إلا أن الإمكانات وحدها لم تغير حياته قط. لقد ضل الطريق لأنه لم يمتلك هدفاً واضحاً يوجه بوصلته نحوه، واتجاهاً يبحر به وسط أمواج الحياة المتلاطمة لتغيير إمكاناته إلى واقع ملموس وصنع تغيير إيجابي في حياته.
بعد سنوات، نظر الناس إلى الأخوين وافترضوا أن عبد الله كان أكثر حظاً فحسب. قليلون هم من أدركوا أن الفارق الحقيقي لم يكن الحظ أو الذكاء أو الفرص، بل كان الأثر الفعال للقيادة الذاتية. الفجوة بينهما صنعتها قرارات متتالية، وعادة تلو الأخرى، وخيار بعد خيار.
وينطبق المبدأ نفسه على الجميع حول العالم، عمانيين كانوا او مقيمين على حد سواء. ففي النهاية،كل منا لديه حلمٌ، صغر حجمه أم كبر. الفرق الوحيد هو أن النجاح بضاعة يدفع ثمنها مسبقاً. فكما يقول المثل: ليس هناك مكاسب تخلو من الألم
الجميع بحاجة إلى وضع أهداف واضحة والتركيز الشديد بينما نسعى لقيادة ذاتنا نحو الإنجاز. الرحلة ليست سهلة، ولن تكون دائماً مفروشة بالورود. من المرجح أن نقع، ونواجه التحديات، وأن نُحاصر بصوتنا الداخلي، ذلك الصوت الخفي الذي يريد منا أن نؤمن بأننا غير قادرين، أو أننا لسنا مستعدين بعد. الصوت نفسه الذي يسرد العذر الواهي تلو الآخر لكي نستسلم ونودع أحلامنا وداعاً أبدياً.
و ضمن إحتفال العالم باليوم العالمي للشباب في الثاني عشر من أغسطس، دعونا نحيي الشباب حول العالم ونعترف بتفانيهم، وعملهم الجاد، وأفكارهم الخلاقة، وحلولهم المبتكرة. إن جهودهم تستحق الثناء بحق، وطموحاتهم هي مصدر أمل للمستقبل.
وبالمثل، ينبغي لشبابنا العماني أن يتذكروا أنهم نبض الوطن، والقادة الذين سيبحرون ببراعة وسط التغيير ويديرون عجلة التنمية نحو مستقبل واعد. يجب أن يدركوا أنهم يعيشون في عالم (VUCA) متسارع ومتغير، حيث التقلب، وعدم اليقين، والتعقيد، والغموض جزء من المشهد. قد تفتح لك الشهادة الجامعية باباً، ولكن القيادة الذاتية هي التي تحدد ما إذا كنت ستعبره أم لا. وقد تمنحك السيرة الذاتية المعدة بإتقان مقابلة عمل، ولكن انضباطك، و مصداقيتك، ورغبتك في مواصلة التعلم هي ما يحدد قدرتك على بناء مسيرة مهنية ناجحة. ومهاراتك الفنية قد تؤمن لك وظيفة، ولكن اتجاهك، ونزاهتك، وقدرتك على قيادة ذاتك ستحدد إلى أي مدى يمكنك المضي قدماً. حتى في العمل التطوعي، لا يُقاس أثرك فقط برغبتك في الخدمة، بل بالتزامك، واستمراريتك، وشعورك بالمسؤولية.
في النهاية، الأمر لا يتعلق بما تعرفه أو ما تمتلكه فحسب، بل أن قدرتك على قيادتك لذاتك هي التي تحدد ما يمكنك أن تحققه. واصل التعلم لتستمر في التألق. كن حريصا على أن يكون لك وردا من القرآن الكريم لتجد الطمأنينة، والسلام الداخلي، والشعور بالاتزان. تعلم من حكمة التاريخ، وتكيف مع التغيرات المتسارعة لعصرك من خلال تبني عقلية مرنة وشغف للتعلم المستمر مدى الحياة. بعبارة أخرى: امتلك نجاحك وحلق عالياً في السعي وراء أحلامك وطموحاتك، فأنت في النهاية ربان سفينتك.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية و التميز الشخصي.








