جلس الجد الحكيم وسط أحفاده، وقد أحاطوا به في شغف، ينتظرون حكاية جديدة من حكاياته الجميلة. كان الجد يحب أن يحكي لهم عن العلماء العظماء، وعن إنجازاتهم التي أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية.
قال أحد الأحفاد: — جدي، من ستحدثنا عنه اليوم؟
ابتسم الجد وقال: — اليوم يا أبنائي سأحكي لكم عن عالم مسلم عظيم، كان محبًّا للعلم والاكتشاف والترحال، اسمه أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني.
سأل طفل صغير: — ومن هو البيروني يا جدي؟
قال الجد: — وُلد البيروني عام 362هـ، في إقليم خوارزم، وعاش في زمن كانت فيه المنطقة تعاني اضطرابات سياسية. ومع ذلك، لم يمنعه ذلك من طلب العلم، فقد كان شغوفًا بالمعرفة منذ صغره.
وأضاف: — تعلّم البيروني اللغات الفارسية والعربية والسريانية واليونانية، ودرس الرياضيات والفلك، حتى أصبح من أعظم علماء عصره. وكان بعض العلماء يلقبونه بـ«بطليموس العرب» تقديرًا لمكانته العلمية.
قال حفيد آخر: — وهل كان يحب العلوم الطبيعية أيضًا؟
أجاب الجد: — نعم يا بني. كان محبًّا للطبيعة ودراسة النباتات وخصائصها، وكتب في الصيدلة والأدوية، ودرس المعادن والعناصر الكيميائية، كما اهتم بالذهب كعنصر معدني، وتنبّه إلى أهميته الاقتصادية.
ثم تابع الجد: — ولم يكن البيروني عالمًا في مجال واحد فقط، بل كان فيلسوفًا ومؤرخًا وجغرافيًا ورحالة. وقد وصفه أحد المستشرقين بأنه من أعظم العقول التي عرفها التاريخ.
قال أحد الأطفال بإعجاب: — يبدو أنه كان يعرف أشياء كثيرة!
ضحك الجد وقال: — بل كان مثالًا في حب العلم يا أبنائي. ومن أعظم إنجازاته اهتمامه بالرياضيات والفلك، ومحاولاته فهم الأرض وحركتها، ودراسته لحركة الشمس والقمر.
وسأل طفل: — وهل اكتشف شيئًا مهمًّا؟
قال الجد: — نعم. فقد قدّم أفكارًا مهمة في الحساب وعلم الفلك، واهتم بقياس محيط الأرض، كما درس الجاذبية وحركة الأجسام. وكانت أفكاره في بعض الموضوعات العلمية متقدمة جدًا بالنسبة إلى عصره.
ثم سكت الجد قليلًا، وقال: — لكن رحلته في طلب العلم لم تكن سهلة.
اقترب منه الأطفال أكثر.
قال الجد: — اضطر البيروني في بعض مراحل حياته إلى الرحيل من خوارزم، وتنقل بين البلاد. وعندما ذهب إلى الهند، لم يكتفِ بمشاهدة ما حوله، بل تعلّم لغة أهلها ودرس علومهم وثقافتهم وعاداتهم، ثم كتب عن الهند وأهلها وحضارتها.
قال أحد الأحفاد: — وهل ألّف كتبًا كثيرة؟
أجاب الجد: — نعم، ترك البيروني مؤلفات كثيرة، ومن أشهرها كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية»، الذي تناول فيه أخبار الأمم السابقة وتاريخها. وله أيضًا مؤلفات في الفلك والرياضيات والجغرافيا وغيرها من العلوم.
ثم قال الجد: — وكان البيروني يؤمن بأن العلم يحتاج إلى صبر واجتهاد. فلم يكن يكتفي بسماع المعلومة، بل كان يبحث ويقارن ويدقق حتى يصل إلى الحقيقة.
قال طفل: — وهل كان العلماء في عصره يقدّرونه؟
ابتسم الجد: — بالتأكيد. لقد عرف العلماء مكانته، وأدركوا أن العالم الحقيقي لا يعيش لنفسه فقط، وإنما يترك علمه للأجيال القادمة.
ثم رفع الجد عينيه إلى أحفاده وقال: — وهنا يا أبنائي تكمن أعظم حكاية في حياة البيروني: حكاية الإنسان الذي أحب العلم، فسافر من أجل المعرفة، وقرأ وكتب وبحث حتى أصبح اسمه خالدًا في التاريخ.
قال أحد الأطفال: — جدي، ما الدرس الذي نتعلمه من البيروني؟
ابتسم الجد الحكيم وقال: — نتعلم أن العلم لا يعرف حدودًا، وأن الإنسان يستطيع أن يصل إلى ما يريد إذا جمع بين الفضول والصبر والاجتهاد. فلا تخافوا من السؤال، ولا تتوقفوا عن البحث، ولا تظنوا أن الطريق إلى النجاح سهل دائمًا.
ثم نظر الجد إلى أحفاده، فرأى في عيونهم بريقًا يشبه بريق المعرفة.
قال أحدهم: — جدي، هل تحكي لنا غدًا حكاية عالم آخر؟
ضحك الجد وقال: — بكل سرور… فالتاريخ يا أبنائي مليء بحكايات العظماء، ومن يعرف حكاياتهم يعرف أن العلماء العرب والمسلمين كانوا جزءًا مهمًّا من مسيرة الحضارة الإنسانية.
وتعالت ضحكات الأطفال، بينما ظل الجد الحكيم يفكر في الحكاية القادمة…
قصة يكتبها : إيهاب زغلول







