تحرص جمعية الصحفيين العُمانية، في مثل هذا التوقيت من كل عام، على تنظيم ملتقاها الصحفي في محافظة ظفار، بالتزامن مع ختام موسم الخريف، في تقليد إعلامي أصبح واحدًا من أبرز برامج الجمعية السنوية، ومحطة يلتقي فيها الصحفيون والإعلاميون من مختلف محافظات سلطنة عُمان.
ويأتي تنظيم الملتقى في وقت تستعد فيه المحافظة لإسدال الستار على موسم حافل بالمناشط والفعاليات السياحية والثقافية والفنية، استقطب أعدادًا كبيرة من الزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها. ومن هنا، فإن اختيار ظفار لاحتضان هذا التجمع الإعلامي لا يمثل مجرد مناسبة سنوية، وإنما يعكس إدراكًا لأهمية الإعلام في توثيق ما تحقق خلال الموسم، وتسليط الضوء على المقومات الطبيعية والسياحية والاقتصادية والاستثمارية التي تزخر بها المحافظة.
وعلى مدى أربعة أيام، تستقبل ظفار قرابة 200 صحفي وإعلامي، يشاركون في حزمة متنوعة من الجلسات الحوارية وورش العمل والزيارات الميدانية واللقاءات الصحفية والمعارض المصاحبة. وهي فعاليات تسعى من خلالها الجمعية إلى إثراء المشهد الإعلامي والثقافي، وفتح مساحات للنقاش حول التحولات المتسارعة التي تشهدها مهنة الصحافة، خصوصًا في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتغير أدوات صناعة المحتوى وطرق وصوله إلى الجمهور.
ولا شك أن هذا التجمع يحمل أهمية مهنية واجتماعية كبيرة؛ فهو يتيح للصحفيين فرصة تبادل الخبرات، وتجديد العلاقات، والاقتراب من مشاريع المحافظة ومنجزاتها، والاستماع مباشرة إلى المسؤولين وصنّاع القرار. كما يوفر فرصة للإعلاميين القادمين من خارج ظفار للتعرف إلى ما تحقق على أرض الواقع، بعيدًا عن البيانات الرسمية والصور المتداولة.
ومن هذا المنطلق، تحرص مجلة «الواحة»، بوصفها منصة إعلامية عُمانية، على تسجيل حضورها المستمر في هذا الملتقى، انطلاقًا من إيمانها بأهمية أن يكون الإعلام قريبًا من المكان والإنسان والمشروع التنموي. ولم يبدأ اهتمام المجلة بمحافظة ظفار مع انطلاق الملتقى، بل حرصت منذ بداية موسم الخريف على التنسيق والتعاون مع مكتب محافظ ظفار وبلدية ظفار؛ لإعداد مجموعة من التقارير الصحفية والتغطيات المصورة التي تناولت المواقع السياحية والمشروعات التنموية والمبادرات المجتمعية، وقدمت صورة واقعية عن الجهود المبذولة لإنجاح الموسم.
ونرى في «الواحة» أن التغطية الإعلامية الحقيقية لا تقتصر على نقل الفعاليات أو التقاط الصور، وإنما تقوم على النزول إلى الميدان، والاستماع إلى المسؤول والمواطن والزائر وصاحب المشروع، ورصد جوانب النجاح والتحديات معًا. فالإعلام شريك في التنمية، ومسؤوليته لا تنتهي بانتهاء الموسم، بل تمتد إلى متابعة المشروعات والتوصيات، وطرح الأسئلة التي تسهم في تحسين التجربة السياحية وتعزيز العائد الاقتصادي والاجتماعي للمحافظة.
ومع أهمية البرنامج الذي تقدمه الجمعية، فإن نجاح الملتقى لا ينبغي أن يُقاس بعدد المشاركين أو كثافة الفعاليات وحدهما، بل بما يتركه من أثر بعد انتهاء أيامه. فالمحافظة تحتاج إلى معالجة إعلامية معمقة لقضاياها التنموية والسياحية والاجتماعية، وإلى محتوى يتجاوز الصور الجميلة للضباب والمراعي الخضراء، ليقترب من تطلعات الأهالي، ويرصد التحديات التي تواجه القطاع السياحي، ويبحث في استدامة الحركة الاقتصادية بعد انتهاء موسم الخريف.
كما أن الملتقى مطالب بإعطاء مساحة أوسع للصحفيين والإعلاميين العاملين في مختلف الوسائل الإعلامية والإعلام الإلكتروني وإشراك طلبة الإعلام والشباب وصنّاع المحتوى، حتى لا يبقى الملتقى محصورًا في دائرة الوجوه المعتادة، وإنما يتحول إلى منصة لتأهيل جيل إعلامي جديد.
إن محافظة ظفار ليست وجهة موسمية فحسب، بل مساحة اقتصادية وثقافية وتاريخية واسعة، تمتلك ميناءً ومنطقة حرة ومطارًا وواجهات سياحية ومواقع أثرية وبيئية، إلى جانب إرث إنساني عريق. وهذه المقومات تحتاج إلى خطاب إعلامي يمتد طوال العام، ولا يرتبط فقط بأشهر الخريف.
لقد نجحت جمعية الصحفيين العُمانية في ترسيخ حضور الملتقى واستمراريته، وفي جمع هذا العدد الكبير من الصحفيين والإعلاميين تحت سقف واحد. والتحدي اليوم هو الانتقال به من مناسبة سنوية ناجحة إلى منصة إعلامية تنتج توصيات قابلة للمتابعة، وتطلق مبادرات تدريبية وبحثية، وتبني شراكات تخدم الصحافة والمحافظة معًا.
وفي نهاية المطاف، فإن الملتقيات لا تصنع قيمتها البرامج المكتظة وحدها، بل الأفكار التي تخرج منها، والأسئلة التي تطرحها، والأثر الذي يبقى بعد مغادرة المشاركين. وإذا استطاع ملتقى ظفار الصحفي أن يربط الإعلام بالتنمية، وأن ينقل صورة المحافظة بصدق وعمق، وأن يحول الزيارات والجلسات إلى قصص وتقارير ومبادرات مستدامة، فإنه سيكون قد أدى رسالته الحقيقية، وأسهم في أن تظل ظفار حاضرة في المشهد الإعلامي طوال العام، لا في موسم الخريف وحده.
حمود بن علي الطوقي








