تتصاعد شكاوى بعض الآباء في الكويت من الإجراءات التي قد تتخذها جهات حماية الطفل في سياق النزاعات الأسرية، خصوصاً عندما تتحول الخلافات بين الأب والأم حول الحضانة أو الرؤية أو تنفيذ الأحكام القضائية إلى بلاغات تتعلق بحماية المحضون. وبينما لا يختلف اثنان على أن حماية الطفل من العنف والإهمال والإساءة مسؤولية قانونية وإنسانية لا يجوز التساهل فيها، فإن الإشكالية تبدأ عندما يصبح البلاغ الأسري مدخلًا لإجراءات تؤثر بصورة مباشرة في علاقة الأب بأبنائه، أو عندما تختلط مهمة حماية الطفل باختصاص القضاء في الفصل في منازعات الأسرة.
وهنا يبرز سؤال قانوني مشروع: إذا كان القانون قد وضع منظومة لحماية الطفل، فما الضمانات التي تحمي الأب أو الأم من إساءة استخدام هذه المنظومة أو من اتخاذ إجراء غير متناسب مع حقيقة الواقعة؟
فقد أقر المشرع الكويتي القانون رقم 21 لسنة 2015 في شأن حقوق الطفل، ووضع من خلاله إطارًا تشريعيًا متكاملًا لحماية الطفل من مختلف صور الخطر والعنف والإهمال والاستغلال. والقانون في جوهره لا يستهدف أحد الوالدين، وإنما يستهدف حماية الطفل باعتباره صاحب حق مستقل. ولذلك فإن تفسير نصوصه يجب أن ينطلق من هذه الغاية، لا من افتراض أن النزاع بين الأب والأم يعني بالضرورة وجود خطر على الطفل من أحدهما.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند النظر إلى المادة 76 من القانون، التي حددت الحالات التي يعتبر فيها الطفل معرضًا للخطر. فالتدخل لا يفترض أن يكون نتيجة مجرد خلاف عائلي، وإنما يرتبط بوجود ظروف أو أفعال من شأنها أن تهدد سلامة الطفل أو صحته أو حياته أو أخلاقه، أو تعرضه للإهمال أو الإساءة أو العنف، كما يدخل ضمن صور الخطر حرمان الطفل، بغير مسوغ، من حقه في حضانة أو رؤية أحد والديه.
وهذه الجزئية الأخيرة شديدة الأهمية في النزاعات الأسرية؛ لأن المشرع لم ينظر إلى علاقة الطفل بأحد والديه باعتبارها أمرًا هامشيًا، بل اعتبر حرمانه غير المبرر من هذه العلاقة إحدى صور الخطر التي تستوجب الانتباه. وبالتالي، فإن حماية الطفل لا تعني فقط حمايته من أب قد يسيء إليه أو أم قد تهمل رعايته، وإنما تشمل أيضًا حمايته من أن يصبح أداة في النزاع بين الوالدين، أو أن يُحرم من أحدهما دون سبب قانوني معتبر.
ومن هنا تظهر ضرورة التمييز بين وجود بلاغ وبين ثبوت الواقعة. فالبلاغ ليس حكمًا قضائيًا، والشكوى ليست دليل إدانة نهائيًا، وادعاء أحد الوالدين تعرض الطفل للخطر لا يعني تلقائيًا أن الطرف الآخر أصبح خطرًا على المحضون. وظيفة جهة الحماية هي التحقق من حقيقة الوضع وتقييم مدى وجود الخطر واتخاذ الإجراءات التي يجيزها القانون، وليس افتراض صحة كل ما يرد في البلاغات الأسرية.
وقد أنشأ القانون مراكز حماية الطفولة وحدد لها اختصاصات واضحة. فالمادة 77 تتناول إنشاء هذه المراكز واختصاصها بتلقي الشكاوى المتعلقة بالأطفال المعرضين للخطر، والعمل على معالجة الحالات واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الطفل، من خلال فريق متخصص يضم تخصصات اجتماعية ونفسية وطبية وقانونية. وهذا التكوين يؤكد أن فلسفة المشرع تقوم على دراسة حالة الطفل من جوانب متعددة، وليس التعامل مع النزاع باعتباره مجرد خصومة بين أب وأم.
أما المادة 78 فتمنح المركز صلاحيات بحث الشكاوى والتحقق من مدى جديتها، ومن ذلك مقابلة الطفل أو متولي رعايته أو ذويه، والانتقال إلى محل إقامة الطفل ومتابعة حالته، وإحالته إلى الجهات المختصة عند الحاجة. كما تلزم المادة المركز، في الحالات التي تتكرر فيها صور الأذى أو يتعذر فيها معالجة الوضع أو تكون الواقعة جريمة، باتخاذ الإجراءات والإحالات التي حددها القانون، بما في ذلك رفع الأمر إلى نيابة الأحداث أو التوصية لدى المحكمة المختصة باتخاذ ما يلزم.
وهنا تظهر الحدود الفاصلة بين الحماية والإدانة. فمركز حماية الطفل يملك دورًا وقائيًا واجتماعيًا وقانونيًا في التعامل مع الخطر، لكنه ليس محكمة أحوال شخصية تفصل بصورة نهائية في النزاع بين الأب والأم. أما إذا وصلت المسألة إلى تعديل جوهري في الوضع القانوني للطفل أو الحضانة أو الرؤية، فإن القضاء يظل هو الجهة صاحبة الاختصاص في الفصل في المنازعات الأسرية وفقًا للقوانين المنظمة لذلك.
وقد جاء قانون محكمة الأسرة رقم 12 لسنة 2015 ليؤكد وجود قضاء متخصص يتولى المنازعات المتعلقة بالأسرة والأحوال الشخصية. ولذلك فإن وجود بلاغ لدى جهة حماية الطفل لا ينبغي أن يتحول بذاته إلى وسيلة للالتفاف على اختصاص محكمة الأسرة أو إلى طريق غير مباشر للحصول على نتيجة لم يتمكن أحد الطرفين من الحصول عليها أمام القضاء.
والأمر يصبح أكثر حساسية عندما يكون هناك حكم قضائي قائم ينظم حق الأب في رؤية أطفاله. فقد نظم قانون الأحوال الشخصية الكويتي رقم 51 لسنة 1984 حق الرؤية، ونصت المادة 196 على حق الأبوين والأجداد في رؤية المحضون، كما عالجت حالة عدم اتفاق الأطراف على تنظيم الرؤية، وأعطت القاضي سلطة تحديد موعدها ومكانها. وهذا يعني أن حق الأب في رؤية طفله ليس مجرد ترتيب عائلي يخضع لإرادة الطرف الحاضن، وإنما حق نظمه القانون، ويخضع عند النزاع للسلطة القضائية.
ومن هنا، فإن أي ادعاء بوجود خطر حقيقي على الطفل يجب أن يخضع للفحص الجدي، لأن سلامة الطفل تأتي أولًا، لكن في المقابل لا ينبغي أن تتحول مجرد الشكوى إلى وسيلة لتعطيل حق قضائي ثابت دون وجود مبرر قانوني. فهناك فارق بين حالة تظهر فيها مؤشرات حقيقية على تعرض الطفل للعنف أو الإساءة، وحالة يكون فيها البلاغ جزءًا من نزاع مستمر بين الوالدين حول الحضانة أو النفقة أو الرؤية.
وهذا الفارق ليس تفصيلًا إجرائيًا، وإنما هو جوهر العدالة في قضايا الأسرة. فحين تكون هناك أدلة على وجود خطر حقيقي، فإن التدخل السريع واجب، وقد منح القانون الجهات المختصة صلاحيات للتعامل مع حالات الخطر واتخاذ التدابير العاجلة اللازمة. أما عندما لا يثبت وجود الخطر، فإن استمرار الإجراءات التي تقيد علاقة الطفل بأحد والديه يحتاج إلى أساس قانوني واضح ومبرر يتناسب مع طبيعة الحالة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ماذا يستطيع الأب أن يفعل إذا رأى أن بلاغًا قدم ضده كان كيديًا أو أن إجراءً اتخذ بحقه تجاوز الحدود التي رسمها القانون؟
الإجابة لا تكون بمواجهة جهة الحماية أو رفض التعاون معها، لأن ذلك قد يؤدي إلى تعقيد الموقف، وإنما تبدأ بتوثيق كل شيء. فالأب الذي لديه حكم بالرؤية يجب أن يحتفظ بصورة الحكم وما يثبت التزامه بتنفيذه، وأن يوثق مواعيد الرؤية وأي محاولات لمنعه منها، وأن يحتفظ بالاستدعاءات والمراسلات والبلاغات والإجراءات التي اتخذت بحقه. كما ينبغي له أن يحصل، بالطرق القانونية المتاحة، على ما يستطيع الحصول عليه من مستندات تتعلق بالشكوى والإجراءات المتخذة بشأنها، وأن يعرض الملف على محام متخصص في قضايا الأسرة لتحديد المسار القضائي الصحيح.
فإذا كان هناك إجراء مؤقت لحماية الطفل، فإن مواجهته تكون وفق الآليات القانونية التي حددها المشرع، وليس عبر تجاهل الإجراء. وإذا كان النزاع يتعلق أصلًا بالحضانة أو الرؤية، فإن محكمة الأسرة تظل المسار الطبيعي للمطالبة بالحقوق أو تعديل الأوضاع القائمة متى ظهرت أسباب جديدة. وإذا تبين أن هناك بلاغًا كيديًا أو ادعاءات غير صحيحة تعمد صاحبها استخدامها للإضرار بالطرف الآخر، فإن المسؤولية القانونية المحتملة عن هذه الأفعال تدرس بحسب طبيعة البلاغ ومضمونه والنتائج التي ترتبت عليه، ولا يجوز افتراضها أو الجزم بها دون ثبوت عناصرها.
وتزداد أهمية هذه الضمانات إذا وضعنا المسألة في إطار الدستور الكويتي الذي قرر في المادة 29 أن الناس متساوون في الكرامة الإنسانية وأمام القانون في الحقوق والواجبات العامة. فالأب ليس خارج دائرة الحماية القانونية لمجرد أنه طرف في نزاع أسري، كما أن الأم ليست خصمًا للطفل لمجرد أنها حاضنته، والطفل نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة تستخدمها أي جهة من أطراف النزاع لتحقيق مكاسب على الطرف الآخر.
المشكلة إذن ليست في قانون حماية الطفل ذاته، وإنما في كيفية تطبيقه وفي تحقيق التوازن بين هدفين لا يجوز التضحية بأحدهما لصالح الآخر: حماية الطفل من الخطر الحقيقي، وحماية حقوق الوالدين من الإجراءات غير المبررة.
فالطفل يحتاج إلى الحماية من العنف والإهمال والإساءة، لكنه يحتاج أيضًا إلى حماية علاقته السليمة بوالديه. وإذا كان القانون يعتبر حرمانه غير المبرر من رؤية أحد والديه صورة من صور الخطر، فإن هذا يعني أن المشرع ينظر إلى التواصل الأسري باعتباره جزءًا من مصلحة الطفل، وليس مجرد حق خاص بالأب أو الأم.
ولهذا فإن المطلوب ليس إضعاف مراكز حماية الطفولة ولا الحد من قدرتها على التدخل عندما يكون الطفل في خطر، بل تعزيز الضمانات التي تجعل تدخلها أكثر دقة وشفافية، خصوصًا في القضايا التي تكون فيها العلاقة بين الوالدين متوترة أو توجد بينهما دعاوى منظورة أمام القضاء.
كما أن حماية الطفل لا ينبغي أن تعني اتخاذ موقف مسبق من الأب أو الأم، وإنما دراسة الوقائع بصورة مهنية ومحايدة، والاستماع إلى الأطراف، وفحص الأدلة، والتمييز بين النزاع الأسري وبين الإساءة الحقيقية، مع مراعاة أن أي إجراء يؤثر في علاقة الطفل بأحد والديه يجب أن يكون قائمًا على سبب قانوني واضح ومتناسب مع الخطر المراد منعه.
وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس من الذي ينتصر في النزاع بين الأب والأم، وإنما كيف نمنع الطفل من دفع ثمن هذا النزاع. فإذا كان الأب مسيئًا، فيجب أن يحمي القانون الطفل منه. وإذا كانت الأم مسيئة، فيجب أن يحميه القانون منها. وإذا كان أحد الطرفين يستخدم البلاغات أو الحضانة أو الرؤية للإضرار بالطرف الآخر، فيجب أن تكون هناك ضمانات تمنع تحويل قانون حماية الطفل إلى أداة في الخصومة.
القانون وجد لحماية الطفل، والقضاء وجد للفصل في المنازعات، والجهات المختصة بالحماية وجدت للتدخل عند وجود الخطر، وليس لتحويل الخلافات الأسرية إلى أحكام مسبقة. ولذلك فإن العدالة الأسرية الحقيقية لا تتحقق بإبعاد الأب عن طفله، ولا بمنح الأب سلطة مطلقة على طفله، وإنما بتحقيق المعادلة التي تجعل مصلحة الطفل فوق صراع الوالدين، والقانون فوق رغبات الأطراف، والقضاء هو الضامن النهائي عندما تتعارض الحقوق أو تتجاوز الإجراءات حدودها.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
محامي – الكويت








